مهرجان الفجيرة للمونودراما: إمارة المسرح

مهرجان الفجيرة للمونودراما: إمارة المسرح

في السنوات الأخيرة، أقيمت في العديد من البلدان العربية مهرجانات خاصة بعروض المونودراما (مسرحيات الممثل الواحد). كان ذلك واحداً من أهم أسباب الزيادة في إنتاج عدد من المسرحيات التي تنتمي إلى هذا النوع، والموصوفة بكلفة إنتاجها الرخيص، وسهولة تنقلها وتنقل المشتغلين عليها، في ظل غياب شبه كلّي للمؤسسات الداعمة للمسرح عربياً. هكذا، ازدهرت عدة مهرجانات خاصة بالمونودراما، مثل"مهرجان ساقية الصاوي" (مصر) و"مهرجان اللاذقية" (سوريا)، في ظل ازدهار وكثرة للأعمال المصنفة في هذا المجال.

لكنْ، يبقى"مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما" الأشهر عربياً، بل وعالمياً، ذلك بفضل التنظيم والاهتمام والدعم المالي الكبير الذي يحظى به. المهرجان الذي يُقام مرة كل عامين، والذي تشرف عليه هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، انطلقت دورته الأولى عام 2003، وشاركت فيه عدة دول عربية وأجنبية، مثل مصر، الكويت، العراق، الأردن، سوريا، لبنان، السودان، تونس، إيران، إيطاليا، روسيا، وألمانيا. منذ انطلاقته، ودورات المهرجان مستمرة دون انقطاع. هكذا، بدأ المهرجان يفرض اسمه على الساحة الإعلامية والثقافية العربية بدءاً من دورته الثانية عام 2005. في دورته الثالثة، استطاع المهرجان أن يستقطب أسماء كبيرة في عالم المونودراما عربياً كاللبناني رفيق علي أحمد مع عمله "جرصة".

مهرجان الفجيرة للمونودراما - شخصيات من المهرجان

ازداد الاهتمام والدعم المقدم للمهرجان خصوصاً مع دورته الرابعة(2010)، وبدأ يلفت الأنظار إليه حتى على المستوى العالمي، ليُعنى أكثر بانتقاء العروض المتميزة والتي تمثل ثقافات مختلفة، فشاركت في المهرجان عروض من اليابان وسويسرا وليتوانيا، وحضر، أيضاً مرة أخرى، عراب المونودراما اللبنانية رفيق علي أحمد مع عمله "زواريب". أما الدورة الخامسة التي شهدها العام الماضي، والتي كرّمت الممثل المصري يحيى الفخراني بإعلانه كضيف شرف المهرجان، فقد كانت الأنجح، وصُنّف بعدها المهرجان كأهم مهرجان للمونودراما في العالم، وذلك بحسب ما صرح به توبياس بيانوكي مدير عام الهيئة الدولية للمسرح التابعة لليونسكو. في هذه الدورة، استقبلت الفجيرة عروضاً أجنبية متميزة، مثل العرض المسرحي الليتواني "العاشق" المأخوذ عن رواية للكاتبة مارغريت دوراس، الحاصلة على نوبل للآداب، وقد أخرجت العرض ومثلته بيروتي مار، التي تشارك للمرة الثالثة في دورات المهرجان. كما كان حاضراً العام الماضي المخرج المسرحي العالمي بيتر بروك بعرض "كبير المحققين"، من أداء الممثل المسرحي العالمي بروس مايرز. عربياً، تميز في الدورة الأخيرة العرض السوري "سوناتا الربيع"، للكاتب جمال آدم والمخرج ماهر صليبي، حيث تتقاطع أحداث العمل مع الراهن السوري. وقد حاور العمل أسباب قيام الثورة في مجتمع عطلت فيه كافة مناحي الحياة، وصادرت فيه السلطة السياسية كافة الحقوق. في "سوناتا الربيع"، حقق الممثل السوري مازن الناطور حضوراً جماهيرياً لافتاً. كما شهدت هذه الدورة، وللمرة الثالثة، حضور الفنان اللبناني رفيق علي أحمد، لكن هذه المرة ككاتب وكممثل مع المخرج ناجي صوراتي في مسرحية "قطع وصل".

مهرجان الفجيرة للمونودراما - لقطات من المسرح

أقيمت على هامش المهرجان عدة فعاليات، فعقدت عدة ورشات عمل بحثية وندوات فكرية، إضافة إلى إصدار عدة منشورات ونصوص مسرحية مونودرامية، وإقامة ندوات إعلامية تصب في مجملها حول أهمية اتخاذ الخطوات والوسائل العملية لتنشيط المسرح العربي، وإمكانية توفير فرص الدعم للمشتغلين في المونودراما. في السياق ذاته، تنظم هيئة المهرجان كل سنتين مسابقة خاصة بكتابة نصوص المونودراما، بالنسختين العربية والإنكليزية. يشرف على تحكيم النصوص المشتركة نخبة من المسرحيين العرب، منهم عبد الكريم برشيد (المغرب)، ويسرى الجندي (مصر)، وأسعد فضة (سوريا)، وعبد العزيز السريع (الكويت). وفي  النسخة الأخيرة من المسابقة، فازت الأدبية السعودية ملحة العبدلله بالجائزة الأولى عن نصها "العازفة" (2012)، الذي يتقصى الجوانب النفسية لامرأة خاضعة لسلطة المجتمعات العربية، وما يمكن أن يندرج تحت بند الإرهاب الفكري، حيث يعلو في هذه المسرحية صوت الرغبة، ليس بوصفها حاجة بالدرجة الأولى فقط، بل بوصفها مركباً نفسياً وفيزيولوجياً أيضاً. عازفة البيانو تستحضر الزوج الغائب عبر مجموعة صور فوتوغرافية، وتبقى أسيرتها، ليسِمها المكان بفراغه وهشاشته، وقسوته أيضاً، ولتكسر هذا الوقت بالعزف ومحاولة قول ما لا تجرؤ على قوله في وجوده. هكذا، تقودها الحيرة في متاهات لا تنتهي، لتصل خيانة الرجل إلى ذروتها، وذلك باكتشافها لجثة زوجها داخل الصندوق الخشبي للبيانو. هذه المسرحية التي أخرجتها ومثلت فيها الفنانة المغربية لطيفة أحرار، افتتحت النسخة الأخيرة من المهرجان، العام الماضي.

مهرجان الفجيرة للمونودراما يبرز كتحدّ كبير باستمراريته وتواصل نجاحاته، ما يدل على الجهد الكبير المبذول من قبل القائمين عليه، وسعيهم لتكون إمارة عربية، كالفجيرة، وجهة للمسرحيين العرب ليعرضوا أعمالهم، ويحتكوا بالتجارب المسرحية العالمية.

التعليقات

المقال التالي