ملحق غروب على النيل

ملحق غروب على النيل

قد تحتاج إلى حجز مسبق لزيارة معرضٍ في "ملحق غروب على النيل" إذا كنت تزوره أثناء الأسبوع، وليس في يوم السبت حيث يفتح أبوابه للجمهور طوال اليوم. قد تحتاج أيضاً إلى أن تحضر مشروباتك معك، إذا أردت أن تتأنق وتذهب لحضور افتتاح أحد المعارض في هذا المكان. وهو ما يختلف مع سياسة أماكن عرض الفنون البصرية الأخرى (المستقلة) في القاهرة التي دائماً ما تفتح أبوابها طوال اليوم للجمهور، إلا أنها لا تكفّ عن الشكوى المستمرة من عدم إقبال الزائرين. يرجع السبب الى أن "ملحق غروب على النيل" عبارة عن غرفة بيضاء في شقة سكنية مطلة على النيل في حي جاردن سيتي بالقاهرة، يقطنها ثلاثة فنانين (محمد فهمي، طه بلال، هادي قمر). قرر بلال وقمر بالمشاركة مع جنيفر إيفنز أن يحولوا هذه الحجرة إلى مساحة فنية تجريبية، مموَّلة ذاتيّاً، توفر للفنانين المحليين والعالميين مساحة لتنفيذ عروضهم الفنية لمدة شهر، كما تنفذ برنامجاً موازياً لإصدار المطبوعات والمناقشات.

download (3)

اعلان


تركز عروضهم على الطبيعة المادية للأعمال الفنية من نحت، وتجهيزات ورسم... مع قليل من الاهتمام بالأعمال الرقمية، إذ يحاولون البحث عن لغات تتعامل مع خامات مادية، وهو ما يرون أنه اتجاهٌ قد يكون مهمّشاً بعض الشيء في المشهد الفني المصري لأسباب متعددة، منها عدم وجود بنية تحتية لسوق فني محترف. يستطيع المرء أن يقول إن هذه المبادرة هي الأولى من نوعها التي تحافظ على الطبيعة الخاصة المرتبطة بالفضاءات المدارة من قبل فنانين، والتي تشغل مساحة خاصة بين المؤسسات الكبيرة والرسمية وصالات العرض التجارية، تلك الطبيعة التي عادة ما تفتقدها سريعاً المبادرات الفنية الأخرى في مصر، والمنطقة المحيطة، نظراً لغياب الدور الحقيقي والفعال لصالات العرض التجارية والمؤسسات الرسمية، إذ سريعاً ما يتم مأْسَسَتُها لتلعب الدورَ الغائب لتلك المؤسسات وصالات العرض.

download (4)

بدأت فكرة المشروع في يناير 2013 عندما استأجر الفنانون تلك الشقة كمسكن. بعد تقسيم كل احتياجاتهم على الغرف، ظلت تلك الغرفة فارغة. سرعان ما تذكروا مناقشاتهم المتفرقة في القاهرة مع زملائهم، حيث أبدى الجميع  عن حاجتهم لفضاء يستطيعون من خلاله رؤية أشكال، نماذج وألوان لتجاربهم الفنية بشكل حرّ، عفويّ، ومبنيّ فقط على مضمون ممارستهم الفنية. استضاف المكان أول معرض لفاتن الدسوقي التي تعيش وتعمل في الإسكندرية، وتتميز أعمالها بحضور ماديّ قويّ، حيث تنتزع أشكالاً وعناصر عادة ما تكون مألوفة بصرياً في سياقات محددة، ثمّ تعيد استخدامها وتوظيفها لتخلق حالة من الالتباس الجمالي المثير، وقد فُوِّضَ الباحثُ في مجال التعليم، والكوميديان "معتز عطا الله" لكتابة نص مرتبط بشكل غير مباشر بمعرض  الدسوقي. تم تحويل النص إلي مطبوعة بعدد محدود من النسخ وُزّعت على الحضور مجاناً.

download (5)

تبع ذلك المشروع معرض جماعيّ بعنوان "إنت بتعمل إيه يا رسم؟" حيث طرح السؤال المرتبط بدور الرسم في الممارسة الفنية المعاصرة، وما يتطلبه ليكون عملاً فنياً، ما يتطلبه الأمر لإنتاج رسمة، إضافة إلى ما يمكن للرسمة أن تكون؟ ضمّ هذا المعرض رسومات لـ 15 فناناً وفنانة، طُلب منهم بعد ذلك صنعُ أصواتٍ كَردّ فعلٍ فنيّ - صوتيّ على الأعمال المعروضة. سُجّل كل ردّ كمقطوعة على أسطوانة "دب بلايت"،  وجاءت تلك الإسطوانة مطبوعة لحقت بالمعرض، وتمّ الاستماع لتلك المقطوعات، وتوزيعها على نسخٍ من غلاف الإسطوانة في حفل إصدار خاص.

download (6)

حيث أن المكان مموَّل ذاتيّاً، تُقسَمُ كلّ تكاليف العروض والمطبوعات على أربعة (المدراء الثلاثة، والفنان صاحب العرض). يفتح هذا الإجراء إمكانية وجود آلية إنتاج جديدة تختلف تماماً عن فكرة الاعتماد على الدعم المادي من السفارات، المراكز الثقافية، والمؤسسات الأجنبية "الداعمة للفنون والثقافة" في المنطقة، التي أرست مفهوماً معيناً عن الإنتاج الفني لدى جيل كامل من الفنانين والممارسين للثقافة والفنون. تأتي تلك المساحة التي لا يتجاوز حجمها 4 أمتار في 4 أمتار في هذا الحي الهادئ في مدينة القاهرة الصاخبة كتجربة طازجة تحتمل الكثير من إمكانية الفشل، إلا أنها تثير أسئلة كثيرة حول آليات الإنتاج والاستقلال والاستمرار المؤسساتيّ، وأنماط الفنون المعاصرة في لحظة يواجه فيها المشهد الفني القاهري أشكالاً متعددة من الانهيار المؤسساتي، مع تحولات جذرية في مواقع السلطة. يبقى الرهان الأخير على الفنانين الجادّين وحدهم، وعلى مدى استمراريّتهم كمحترفين في ظل هكذا ظروف.

التعليقات

المقال التالي