تماثيل الحكّام كما هدمها الفنانون

تماثيل الحكّام كما هدمها الفنانون

رفْعُ التماثيل في الساحات العامة، إحدى الظواهر التي رافقت الأنظمة الديكتاتورية. كلما جلس ديكتاتور على كرسي الحكم، عمد إلى زرع تماثيل تجسده في جميع أنحاء بلاده، علامة على تأكيد سلطته على الأرض، وتذكيراً للشعب الذي يحكمه بأنه السلطة العليا. كان من الطبيعي إذاً على الشعوب العربية التي خلعت حكامها أن تخلع تماثيلهم، وتحرر ساحاتها العامة من ذكراهم. بسبب استحالة وصول الشعوب المقموعة إلى تهشيم الديكتاتور بذاته، لجأت إلى تهشيم وتحقير تماثيله. أفعال تكررت كثيراً منذ إسقاط تمثال صدام حسين في العراق، متخذة أشكالاً مختلفة في كل من تونس ومصر والبحرين واليمن وسوريا، أمّا في ليبيا فقصة أخرى. مشاهد التقطتها عدسات الكاميرات العالمية، وتدوالتها وسائل الإعلام، كما الشعوب العربية على مواقع التواصل الاجتماعي، علامة انتصار.

اعلان


download (4)

تلك الظاهرة لم تكن بعيدة عن انشغال الفنانين المعاصرين العرب في ترجمة تفاعلهم مع ما يجري من حولهم.  الفنان اللبناني علي شرّي، قدّم خلال السنوات الأخيرة أعمالاً عديدة تناول فيها موضوع التماثيل في سوريا. انطلق شرّي في أعماله من قرار الرئيس السوري الحالي بشار الأسد إزالة تماثيل أبيه الرئيس حافظ الأسد من المناطق التي قد تقع تحت سلطة الثوار، خوفاً من تحقيرها. فقدم تجهيزاً فنياً تحت عنوان "أنبوب الأحلام". على الحائط في الخلفية يعرض فيديو لعملية إنزال أحد التماثيل الضخمة للأسد الأب. يظهر في الفيديو عمال يقومون بواسطة رافعة كبيرة بإنزال التمثال، برفق شديد، وحمله على ظهر شاحنة كبيرة، ثم تغطيته بالقماش قبل نقله بعيداً. أمام الحائط، وضع شرّي تلفيزيوناً صغيراً يلقي بظله على الفيديو الخلفي. على شاشة التلفاز، يعرض المقابلة التي أجراها الرئيس الراحل الأسد مع رائد الفضاء السوري "محمد أحمد فارس". حوار يظهر عظمة الرئيس، وافتتان رائد الفضاء به، ووصف الأخير للأرض سوريا مثلما يراها من الفضاء، (رغم استحالة ذلك). رائد الفضاء السوري ظهر في عمل آخر لشري، "أبطال النهوض والسقوط". تمثال من الكروم بارتفاع 55 سم لرائد فضاء بلا رأس. إسوة بالتماثيل التي نصبها الرؤساء لذاتهم، قرر شرّي صنع تمثال من الكروم لرائد فضاء، ولكن هذه المرّة بلا رأس. خيار يمكن ترجمته على ضوء إعلان محمد أحمد فارس انشقاقه عن النظام مؤخراً، كتمثال يجسد فارس بذاته، ولكن أيضاً يتسع لأن يُرفع فوق أكتافه رؤوس كل من ثار على النظام. بالإضافة إلى تقديم لوحة لصورة رقمية تحت عنوان "غبار وهموم أخرى" حيث  تظهر أرض صحرواية رملية نقية في مقدمة الصورة، إلى أن يبدأ الغبار يلفّ تمثالاً للرئيس الراحل حافظ الأسد. صورة أشبه بتلك الصور التي تلتقط للصواريخ قبل اطلاقها. تلك العلاقة ما بين تماثيل الرئيس حافظ الأسد والفضاء في أعمال شرّي، تعيد قراءة عملية رفع وإنزال التماثيل، في مقارنة مع الحلم السوري في غزو الفضاء الذي كان بدأ يتفاعل ضمن الشراكة السورية السوفيتية، والذي اندثر فيما بعد. حلم اندثر، وتماثيل لا تنتظر أحداث التاريخ لتسقطتها، بل يتم إنزالها بهدوء استباقاً للتاريخ، وضجته.

download (5)

اختار الفنان اللبناني "فارتان أفاكيان"، من جهته، أن يصنع تماثيل لقادة لم يحالفهم الحظ في صنع تماثيلهم الخاصة. "تأريخ الموجز" ، عمل فني قدمه أفاكيان مؤخراً في معرض دبي الدولي 2013، كحائز على جائزة أبراج الفنية. سبع كرات بلورية بقطر 13 سم. كل منها يحتوي على تمثال بطول 5 سم مصنوع من الذهب، بثقل أونصة ذهب لكل تمثال. التماثيل هنا فليست للحكام الديكتاتوريين، بل لقادة في العالم العربي حاولوا مرّة الانقلاب على الحكام وفشلوا. شخصيات نسيها التاريخ، أو تناساها، ومُنع الحديث عنها. هكذا خصص أفاكيان سبعة تماثيل لسبع شخصيات، لو نجحوا في انقلاباتهم لكانوا نصبوا تماثيلهم. ورغم أنه اختار أن يحفر تماثيلهم بأغلى المعادن، الذهب، لكنه حكم عليهم بعدم الانتصاب عبر وضعهم ضمن بلورات زجاجية. بلورات تتشقلب دائماً، وتشقلب معها التماثيل رأساً على عقب في دوران لا متناه.

download (6)

حظيت التماثيل والنصب المقامة في الساحات العامة على اهتمام الفنانة المصريةإيمان عيسى، حتى قبل الثورة في مصر وخلع الرئيس حسني مبارك. خلال عامي 2010 و2011 عملت عيسى على مشروع فني تحت عنوان "المواد من أجل"، حيث قدمت اقتراحات لنصب تذكارية جديدة تحتل مكان تلك المتواجدة في الساحات العامة، دون الإشارة المباشرة إليها. فعيسى تعتقد أن النصب الحالية فشلت في تمثيل أشخاصها أو موضوعاتها، لذا وجب البحث عن أشكال أخرى لها. مجموعة من 9 اقتراحات، تقدم أعمالاً تجريدية لنصب تذكارية، ترافقها نصوص مشكلة العنوان، وجزءً من النصب في الوقت نفسه. في عام 2007، قدمت عيسى كذلك عملاً بعنوان "مقترح لنصب تذكاري لحرب العراق" عبارة عن فيديو بمدة 5 دقائق، يبرز حالة اللامبالاة التي اكتسحت المشاهد أمام دفق الصور العنيفة. فيديو مبني على مشاهد من الحرب على العراق، ومن أفلام سينمائية تظهر بغداد، يضاف إليه صوت معلّق على المشاهد، غير مبالٍ بفظاعة ما يصف.

download (7)

تلك ليست سوى أمثلة قليلة عن موضوع لطالما شغل فناني الفن المعاصر. إن كانت جميع النصب والتماثيل التي رفعها الحكام يوماً في الساحات العامة، من صنع فنانين، فإنه من الطبيعي أن يكون الفنانون المعاصرون أول من يسائل تلك النصب، ويحاول هدم المفاهيم التي تختزنها. أعمال فنية، رغم أنها محصورة في صالات العرض، ولجمهور نخبوي، لكنها تقدم طرحاً فكرياً وتحليلياً عن مسافة نقدية في المكان والزمان. طرح ضروري يضاف إلى الفعل العفوي الذي دفع بالشعوب إلى تهديم تماثيل ونصب الحكام المخلوعين.

التعليقات

المقال التالي