مرّ شهر وما زال يوسف عبدلكي معتقلاً

مرّ شهر وما زال يوسف عبدلكي معتقلاً
في 18 يوليو الماضي، قامت السلطات الأمنية السورية باعتقال التشكيلي السوري يوسف عبدلكي، الحدث الذي شكل ضجة إعلامية كبيرة عربية وعالمية، وقوبل باستنكار شديد من قبل عدد كبير من المثقفين السوريين والعرب والأجانب.  ففي بيروت دعا أصدقاء الفنان السوري إلى وقفة تضامنية في "غاليري أجيال" مطالبين بإطلاق سراحه مع كل من رفيقيه في هيئة التنسيق وحزب العمل الشيوعي، عدنان الدبس وتوفيق عمران حيث حضرت زوجة عبدلكي المخرجة السينمائية هالة العبد الله، كما نشرت صفحة "تجمع التشكيليين السوريين المستقلين" على الفيسبوك بياناًطالب بإطلاق سراحه وقّعه عدد كبير من الكتاب والفنانين والمثقفين من داخل سوريا وخارجها.

download (7)

يشكل يوسف عبدلكي، دونما إغفال التزامه السياسي المباشر، نموذجاً خاصاً من المثقفين والفنانين الذين بقوا داخل سوريا، وقدموا مشاركات فنية حاولت أن تردف الحدث الثوري وترتقي إلى مستوى تمثيله عبر فنون الرسم المتنوعة، وهو من مؤسسي صفحة الفن والحرية على الفسيبوك التي قدمت عشرات الأعمال الفنية السورية وكان لها أثر كبير وسط متابعي الفن التشكيلي السوري الذي شهد فورة كبيرة منذ بداية الثورة في شهر مارس 2011.

يوسف، المولود في مدينة القامشلي شمال شرقي سوريا عام 1951، ظلت عتمة السجن عالقة في ذاكرته، انعكست على أعماله خاصة مع اعتقال والده لمرات عديدة، واعتقاله هو أيضاً في عام 1978، على خلفية نشاطه السياسي. رغم قسوة الذاكرة إلا أن الجزيرة السورية تحضر بطبيعتها الساحرة، وتكون عاملاً ساهم في بناء مخيلته منذ الطفولة. بدأ مشواره الفني كرسام  للكاريكاتير (1966)، ونشر رسومه في العديد من الدوريات المحلية والعربية، كما رسم في عدة دوريات للأطفال. إضافة إلى الرسم، كتب عبدلكي لاحقاً عدة دراسات، منها "تاريخ الكاريكاتير في سوريا" (1975)، و"دراسة عن رسامي الكاريكاتير العرب وتقنياتهم" (1989).

أقيم أول معرض فردي له في عام 1973، وذلك قبل  تخرجه من كلية الفنون الجميلة بدمشق في عام 1976، لتبدأ بعدها قصته مع المنفى. الغربة التي رافقت عبدلكي جسدياً، تجاوزت الـ 25 عاماً (1980- 2005) ، حيث عاد إلى دمشق، لكنها لم تؤثر على علاقته كفنان مع المشهد البصري والسياسي في الداخل السوري. بعد سفره، تابع تحصيله العلمي في المنفى الفرنسي، فحصل على دبلوم حفر من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس عام 1986، ثم على شهادة الدكتوراه من جامعة باريس الثامنة 1989. امتاز عبدلكي بالرسم بالفحم، أعماله دائماً موغلة في التشاؤم، التشاؤم هنا كقيمة فنية، فمجمل العناصر أو الموضوعات التي تتصدر لوحات عبدلكي تمتاز بقدرتها على المواجهة.

download (1)

تتعدد الموضوعات في أعمال عبدلكي تبعاً لتجربته الحياتية،  ففي فترة مبكرة، انتقل من رسم دمشق وحاراتها، إلى رسم الخيول المهزومة ضمن مجموعة الخيول (1973 -1980). ثم رسم بعدها الوجوه الديكتاتورية المشوهة، الوجوه التي تتصف بقبح الأوسمة، وكأنه راح يبحث عمن كان يكبح جماح خيوله فيما مضى. وبعدما اشتهر برسم الأشياء الباهتة والهامشية في حياة الإنسان خلال فترة الثمانينيات، بدأ بمجموعة جديدة "أشخاص" بين عامي (1989- 1995)، التي تعد مرحلة هامة في تجربته، كونها المرحلة الوحيدة التي استخدم فيها الألوان، ثلاثيات بشرية متخيلة، تتميز بطبيعة العلاقة السلطوية فيما بينها، ذلك من حيث التشكيل والتموضع،  اللون الذي جاء في مجموعة عبدلكي هذه يمكن وصفه باللون المهزوم، أي اللون الباهت الذي سحقته السلطة.

تُصنف لوحات عبدلكي بين عامي (1995-2007) تحت عنوان "طبيعة صامتة"، التسمية التي يرفضها، وفيها نجد عودته لـتأمل الهامشي في الحياة، فعلب السردين الفارغة والأزهار الميتة في مرحلة "طبيعة صامتة"، تكون بمرتبة المقدس، فهي تكتسب أهميتها من نسب الفراغ حولها، وهو ما يميز اشتغال الفنان، عبثه، إن صح القول، وعدم انتظام النسب الفراغية في أعماله، ليكون متن اللوحة عنده، على نفس الأهمية من هامشها، أي الفراغ. عاد الفنان السوري إلى بلده عام 2005، وأقام أول معارضه فيها بعد غياب استمر لـ 25 عاماً. معرضه الذي قوبل بضجة إعلامية كبيرة، وباحتفاء من الأوساط الثقافية السورية والعربية، لم يكن سوى تكريس لتحديات عبدلكي في الثمانينيات، النحت في العتمة، وشجب فاضح لحالة البؤس، إذ أن لوحاته تخنق من يشاهدها تدريجياً. إنها ليست أكثر من صورة مصغرة لكابوس طويل، يستمر في الواقع، لا سيما الواقع السوري اليوم.

download (8)

أقام يوسف عبدلكي بعد عودته إلى دمشق بضعة معارض فردية، أهمها في قاعة الفنون في الكويت 2005، ومعرض آخر في قاعة كلود ليمون بباريس 2010. كما أقام عدة معارض جماعية في دمشق وغيرها من العواصم العربية، فيما يقتني عدد من المتاحف أعمالاً له ضمن مجموعات خاصة، مثل: المتحف البريطاني في لندن، ومتحف المعهد العربي في باريس، ومتحف الكويت الوطني. اليوم، عاد يوسف عبدلكي ليكون سجين  العتمة التي طالما برع في رسمها على لوحاته، وجهد على دحرها من الواقع السوري.

رغم القيمة الفنية العالية لأعمال التشكيلي السوري ومواقفه السياسية، إلا أن الضجة الإعلامية التي رافقت خبر اعتقاله طغت على الكثير من الحوادث المفجعة داخل سوريا، في شكل بدا كما لو أنه يشبه تغطية "متكلفة" ومبالغاً بها. تبدو النجومية أحياناً عبئاً على صورة الفنان الحقيقية، ومن يدري بم يفكر يوسف الآن، إذا ما تسنى له قراءة كلّ ما كُتب عنه في وقت يُقتل فيه الكثيرون ممن لايعرفهم أحد!

التعليقات

المقال التالي