دار الإفتاء المصرية على تويتر: سنُحاربهم بالبلوك

دار الإفتاء المصرية على تويتر: سنُحاربهم بالبلوك

"أمر الشرع الشريف المرأة بالحجاب؛ حفاظاً عليها، حتى لا يتطلع إليها أصحاب الشهوات ومطلقو النظرات الآثمة".

هذا ما غردته دار الإفتاء المصرية عن طريق حسابها الرسمي على تويتر الأربعاء 6 سبتمبر 2017، بعد دقائق معدودة من حظر عدة حسابات، من ضمنها حساب الدكتورة علياء جاد والشاعرة مروة مأمون. والحقيقة أن التغريدة مثيرة للجدل، رغم أنها ليست جديدة علينا كنساء عربيات.

أثارت الجدل لأنها ليست جديدة، هذا ما فعلته.

الحجاب: حماية ووصائية

لن أنكر حقيقة أنني مُستفَزة للغاية من اعتبار الحجاب أمراً شرعياً وليس اختياراً شخصياً، لأن ذلك يُميز ضدي كشابة غير محجبة. هذا إن لم أتطرق إلى أن الأمور الشرعية لا نلتزم بها جميعاً كحاملين للديانة الإسلامية، ولكن إن أتى الأمر للحجاب، فالجميع ينتظر من المرأة أن تلتزم بما يقولون أنه "الشرع".

ارتديت الحجاب على غير إرادتي لمدة 11 عاماً، لأن الذين حولي أرادوا لي الالتزام بالشرع، عندما كنت لا أفقه من حياتي سوى كتبي المدرسية وتسريحة شعري الذي تحوّل إلى مؤرق لعائلتي وللمجتمع من حولي بمجرد أن بدأت دورتي الشهرية.

كما أني مُستفزة من كلمات مثل: "حفاظاً عليها". ويسعني طبعاً أن أتساءل: مَن سيحفظني كامرأة؟ ومَن يملك حق "الحفاظ عليّ"؟ هل أنا شيء يجب حفظه والحفاظ عليه؟ لماذا يتم الإشارة إليّ كملكية؟ ألن ننتهي يا فضيلة الشيخ من تشبيهات المرأة كالجوهرة تلك التي تُبطن خُبثاً ونوايا سيئة تجاه النساء، وتُظهر عكس ذلك؟

لن أسأل أسئلة رومانسية عن أين عقلي وأين روحي، إلخ... سأتساءل بطريقة مختلفة قليلاً: أين أهليتي القانونية؟ أين حقي في جسمي؟

هذه العبارات عن الحجاب تُفقدني حقي في جسمي، وتجعلني أكثر عرضة للانتهاك لأني "غير محجبة". سيتم التمييز ضدي والتعامل معي كإنسانة مُستباحة، فقط لأن تلك المعايير الموضوعة للنساء لا تُناسبني. مثلاً: وفقاً للتغريدة، كل امرأة غير محجبة تُعرّض نفسها لـ"أصحاب الشهوات ومطلقي النظرات الآثمة".

الانتهاك: مسؤولية النساء...فقط

في تلك الحالة، إن تم انتهاكي بأي شكل، فهو مسئوليتي وحدي، لأني لم ألتزم بمعايير "الحفاظ عليّ" وهي ارتداء الحجاب. التغريدة تتعامل مع الانتهاك وكأنه أمر واقع، وشيء لا يُمكن إيقافه أو منعه، أو حتى التنديد به. الانتهاك هنا يتم معاملته كعقاب على الخروج عن هذه المعايير.

ويُصبح أمامي اختياران لا ثالث لهما: إما أن ألتزم بالمعايير لأتجنب العقاب. أو ألا ألتزم بالمعايير ويتم معاقبتي، أولاً بالتعرض للانتهاك، وثانياً بإدانتي أنا وتقديمي كسبب للانتهاك.

أقوال جاهزة

شارك غردتغريدة دار الإفتاء شكلياً عن الحجاب والمظهر الخارجي، لكنها ضمنياً عن أجسامنا كنساء، وأجسامكم كرجال

شارك غردتغريدة دار الإفتاء عن الحجاب تعني باختصار: مرحباً، أنتم لا تملكون أجسامكم. نحنُ نملُكها

أما المعتدون، فلا لوم عليهم أو وصم يُذكر. لماذا؟ هل لأن المعتدين في وجهة نظر دار الإفتاء المصرية، رجال لا يُمكن السيطرة عليهم؟ هل هم أقوياء لهذه الدرجة أم أنهم فاقدو الأهلية أيضاً؟

رجال أو نساء: الجميع فاقدون للأهلية

في الواقع، الرجال في هذا السياق تم تقديمهم كأشخاص فاقدي الأهلية، ولا جدوى من مخاطبتهم بعقلانية، لذلك يتم إعادة توجيه الخطاب ليكون بضمير الغائب عن النساء. تم تغييبنا قصداً عن المشهد حتى لغوياً.

إن اعتبرنا أن اشتهاء الآخرين جنسياً هو إثم كما عبّرت عنه التغريدة، فحتى مسؤولية هذا الإثم تتحملها النساء وحدهن، لأنهن لم يرتدين الحجاب. ويتم تصوير الرجال وكأنهم ذوو شهوة جنسية لا يُمكن السيطرة عليها.

هذه النقطة مهمة أيضاً، لأنها تُبرر أي اعتداء جنسي من الرجال، بدعوى أن شهوتهم الجنسية غير قابلة للتحجيم. فنُصبح جميعاً كنساء غير مُتحجبات هدفاً سهلاً لهؤلاء الذين يجدون غطاءً دينياً لجرائم العنف الجنسي. ويُزاد على الغطاء الديني، مخرج قانوني للمعتدين.

هذه السطحية التي تعاملت بها دار الإفتاء نفت عنا جميعاً أهليتنا، وشرعنت الأهلية الوحيدة في النظام الاجتماعي الديني الذي يحاول طيلة الوقت الهيمنة على المعايير الاجتماعية، إما بإطلاقها أو حتى بإعادة إنتاجها كما يحدث الآن.

مَن يحق لهم ممارسة الجنس؟

الجميع له الحق في ممارسة الجنس. الجميع يملك حق الامتثال لأي معيار يختارونه لأنفسهم، سواء كان هذا المعيار هو الدين، أو الأعراف الاجتماعية، أو القانون، أو معايير شخصية. لذلك، لماذا وجدت دار الإفتاء عيباً أن يكون للإنسان شهوة جنسية، أو أن "يتطلع" إلى إنسان غيره، طالما كان بالغاً، ذا أهلية قانونية، ولديه قبول؟

دار الإفتاء نفت عنا جميعاً أهليتنا، وشرعنت الأهلية الوحيدة في النظام الاجتماعي

دار الإفتاء بإعتبارها ممثلاً للمؤسسة الدينية المصرية لا تقبل بالعلاقات الجنسية إلا في إطار الزواج كمؤسسة اجتماعية. مؤسسة يرتكز عليها المجتمع المصري، تضمن استمرار المؤسسة الدينية نفسها وبقاء النظام الاجتماعي، وتضمن هيمنة الدولة على جنسانية المواطنين. وبالتالي، فإن تغريدة دار الإفتاء شكلياً عن الحجاب والمظهر الخارجي، لكنها ضمنياً عن أجسامنا كنساء، وأجسامكم كرجال، وأجسام آخرين وأخريات غيرنا.

التغريدة عن هويتين اجتماعيتين فقط: الرجال والنساء، ولا مساحة لأي هويات أخرى. التغريدة عن تنظيم العلاقة بين هاتين الهويتين، وعن أن ليس هنالك من تواصل جنسي إلا في حالة الزواج، أو الانتهاك والإثم.

التغريدة عن رغباتنا الجنسية وما هو مسموح وغير مسموح لنا. التغريدة عن التشييء الجنسي للنساء، وعن شيطنة الرجال وتأصيل هيمنتهم الذكورية في آنٍ واحد.

التغريدة باختصار: مرحباً، أنتم لا تملكون أجسامكم. نحنُ نملُكها.

1b02148374ed9d61f58058caf13ae635

سنحاربهم بالبلوك

ما كان طريفاً هو أن حساب دار الإفتاء حظّر، قبل التغريدة، المغردتين المصريتين: علياء جاد ومروة محروس اللتين تعتبران من أكثر الشخصيات النسائية تأثيراً وانتشاراً على تويتر. أتعتقد دار الإفتاء حقاً أن البلوك سيكون حلاً لهؤلاء المعترضين على التغريدة؟ مُضحك ومُثير للشفقة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
غدير أحمد

- ناشطة نسوية مصرية، وباحثة متخصصة في دراسات المرأة والنوع الاجتماعي.

كلمات مفتاحية
مدونة مصر

التعليقات