حينما تغني الأغاني السعودية للحب وتتغنّى به...

حينما تغني الأغاني السعودية للحب وتتغنّى به...

من حقّ الفنون أن تعكس ثقافة الشعب، وأن تكتب همومه.

وتلك الفنون التي يرتضيها شعبٌ ما، وينحاز إليها، هي بالطبع تلك التي تلامس تفاصيل حياته، وتعكس تصوراته وأفكاره.

وبناءً على ذلك، جدير أن تُستعرض الأفكار المتضمنة في الأغنية السعودية، عن مفهوم الحب، إذ من النادر أن تُكتب أغنية غير وطنية ولا عاطفية. وبعيداً عن كون الوطنيات غُنيّت للقيادات، وليس للشعوب أو البلاد، كما هو الحال في أغاني السيدة (فيروز) مثلًا، يمكن أن نفهم من الأغاني العاطفية الرائجة، مفهوم الحب عند الشعب السعودي.

ابتداءً، فإن أغاني سعودية كثيرة تربط بين الحب والحياة. فأغنية (كثر كل شي واحشني، راشد الماجد)، تقول: “وكثر كل شي محتاجك”. وفي أغنية (مرّت سنة، محمد عبده وعبدالمجيد عبدالله): “ومرّت سنة، والقلب ذابحه الهجر”. أغنية أخرى، وهي (مشكلتنا، عبده): “مشكلتنا لو تفارقنا نموت”، أو “ما نعيش إلا إذا كنا سوى”، وأخيراً “وإن بعدت أضيع بدونك”.

وتبدو هذه العلاقة بين العذاب وغياب الحب أكثر وضوحاً في أغنية مثل (يصيح الليل، محمد عبده): “تركني وراح، ما خلّى فرح يسكني في غيابه”.

وكثيرة هي الأغاني التي تربط بين هذين المفهومين، بما فيها الأغاني الرائجة.

رواج هذه الأغاني وتقبل العامة لها، يشيران إلى قدرة الأغاني على تمثيل المشاعر التي تختلج بصدورهم.

ويمكن ذكر عدد كبير من الأغاني التي تجعل الحب احتياجاً، وليس فقط رغبة، مثل؛ (الأماكن، محمد عبده) إذ يقول: “المشاعر في غيابك، ذاب فيها كل صوت”، إلى أن يقول: “وصرت خايف لا تجيني، لحظة يذبل فيها قلبي، وكل أوراقي تموت”. وفي الأغنية نفسها أيضاً: “آه لو تدري حبيبي، كيف أيامي بدونك، تسرق العمر وتفوت. الأمان وين الأمان، وأنا قلبي من رحلت، ما عرف طعم الأمان”.

حالة سوداوية من المشاعر، هي ما يعنيه غياب الحب، وأغاني الاشتياق والهجر مليئة بكلمات قاتمة مثل الاحتياج، الذبح، الموت، الذبول، وغيرها. والسؤال هو دائمًا: أهذه حالة صحية من الحب والمشاعر، يجب على الإنسان أن يحملها معه؟

أقوال جاهزة

شارك غردنجد أن كثيراً من الأغاني السعودية محمّلة بكلمات الاستسلام للمجتمع ورغبات الغير والكثير من معاني الرضوخ للواقع

شارك غرديمكن أن نفهم من الأغاني العاطفية الرائجة، مفهوم الحب عند الشعب السعودي...

وعلى الرغم من كون التساؤل هذا منطقياً جداً، فإنه جدير بكل فرد أن يفكر في حالته النفسية، ويخطط لقيادتها إلى بر الصحة النفسية، لكننا نجد أن كثيرًا من الأغاني تمضي عكس ذلك تماماً.

أغنية (قالوا ترى، عبادي الجوهر) مثلاً، والتي يقول فيها: “قلت إن قتلني حبها، حسبي تقول مرحوم”. أو أغنية (سامحيني، الجوهر) أيضًا: “جيت لك ذل، يا كل عزتي”. في أغنية (بعلن عليها الحب، عبده) أيضًا، والتي يصف ذاته فيها بكلمات مثل: “حالتي ميؤوس منها، وإنتي مسؤولة عنها”. أغنية (آخ قلبي، ماجد المهندس): “الدنيا من قد القهر صارت ما تسوى”، و”صارلي هواية ما أضحك من كل قلبي، أعرف الضحكة دربها غير دربي”.

وبالطبع لا يمكن أن تكون هذه حالة نفسية صحية، ففي أغنية (أنا بليّاك، المهندس)، هو القائل أيضًا: “أنا بليّاك إذا أرمش لك تنزل ألف دمعة”.

يقول الشاعر (راينر ماريا ريلكه) في أحد رسائله: “الحب كبداية ليس أن تعطي وتندفع وليس أن تتوحد مع شخص ما، لما في ذلك من عدم الوضوح والنقصان والتابعية بل على العكس من ذلك هو دافع شديد للشخص بأن ينضج، بأن يصبح عالمًا في نفسه لأجل الآخر”.

ولكن، وعلى النقيض من ذلك، تؤكد الأغاني السعودية الرائجة على معنى آخر للحب.

في أغنية (ويلو، راشد الماجد) مثلًا، والتي يتوعد فيها الطرف الآخر من العلاقة بكلمة ويلٌ له، يقول: “ويلو لو أشوفه لغيري يضحك، أو أحد ع الخدّ باسه”، ومثلها قوله: “ويله لو تزوغ عينه مرة، أو غلط غلطة صغيرة. ويله الله لا يوريه ناري، وكيف أنا مجنون غيره”.

أغنية كهذه لا تكتفي بتعزيز معاني الغيرة والتملك فقط، بل تهدد وتتوعد، متفاخرة بهكذا مشاعر. يتضح ذلك أكثر في قوله: “ويلو قد ما فيني محبة، بس أعرف كيف أعذبه، ويلو صدقوني ماني هيّن، ووجهي الثاني ما شافه”.

وفي الجهة الأخرى، نجد أن التغزّل لم يتعرض للصفات الشخصية في الطرف الأخر، بقدر ما استعرض مفاتن الجسد.

وهذه عيّنة من الأمثلة: أغنية (سارق القلب، راشد الماجد) مثلًا: “من يوم شفتك وقلبي مدّ لك يده، والعين ذابت في روعة حسنك وزينك”.

وأغنية (سحرني حلاها، ماجد المهندس): “سحرني حلاها، وقلب هواها وابتلى”، أو أغنية (هلا هلا، عبدالمجيد عبدالله): “الله يجازي عيونك إيش سوّت في الغرام”، أو حتى (الحكاية، محمد عبده): “إنتي من هيبة جمالك تحسدك حتى المراية”. فالفتاة يجب أن تكون جميلة كي تستحق كلمات الغزل هذه، وليس هذا فحسب، بل إن بعض الأغاني، مثل (مرّت سنة، محمد عبده وعبدالمجيد عبدالله) تضع معالمًا أكثر تفصيلاً، مثل قوله: “وعيونه السود وشفايفه الحمر، وجديل يضفي فوق متنه لا انتحى، وصدر يسدّ الليل عن نور القمر، وخدّ يسدّ الصبح عن شمس الضحى”.

وبالرغم من أن (ألبير كامو) قد كتب في دفاتره مرة: “حبٌ لا يحتمل مواجهة الواقع، ليس حباً”، نجد أن كثيراً من الأغاني السعودية محمّلة بكلمات الاستسلام للمجتمع ورغبات الغير. كلمة مثل “العذّال” و”الحسّاد” وغيرهما، هي كلمات شديدة التكرار بين أسطر الأغاني السعودية.

ونجد الكثير من معاني الاستسلام والرضوخ للواقع والمجتمع.

مثلاً في أغنية (قالوا ترى، الجوهر)، والتي بُنيت أصلاً على هذه الفكرة: “قالوا ترى مالك أمل في قربها لو يوم”. أو في أغنية (جاني كلام، عبده): “شمت فينا أغراب وأبعاد وأقراب، خليت ذا يحكي وهاذي وذيّه”. أو أغنية (مرّت سنة، عبده وعبدالمجيد) مرة أخرى: “ومرت سنة وغذري في الصبر، شماتة أصحاب الشوارب واللحى”.

ومن حق ملاحظات كهذه، تساؤلنا عمّا إذا كانت هذه الأغاني تعكس معنى الحب عند المجتمع، وهل حقًا هذه حالة صحية من الحب، تجعلنا نواجه الواقع ونحياه، ونصنع منه حياة.

ولا أقصد بذلك الأغاني السعودية حصراً، بل يمكن أن يُقاس ذلك على بقية الأغاني العربية أيضاً.

نهايةً، وكما يقول الفيلسوف الفرنسي المعاصر (آلان باديو) في كتابه (في مديح الحب): “إن الحب ليس ببساطة لقاء شخصين وعلاقتهما الداخلية؛ إنه بناء، حياة تُصنع”.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أحمد بادغيش

مدون حجازي، مهندس نظم صناعية، مهتم بالفلسفة والفنون. @BdGhasha

كلمات مفتاحية
السعودية الفن

التعليقات