مطاردة هرمونية...

مطاردة هرمونية...

يقال في الحب يبدأ الانسان كشاعر وينتهي كطبيب نسائي.

مع طبيبي المختص بالأمراض النسائية، تبدو الأمور معكوسة، فمهنته كطبيب نسائي بدأت بدافع الحب للمرأة وأضحت مع الوقت صداقة يعقدها مع أغلب مريضاته، صداقة لا غنى عنها لأي طبيب نسائية ناجح يتقن قراءة المرأة بتأن، ويلتقط ما بين السطور، حيث كلمة المرأة الأهم لا تقال ولكنها تُرى وتُحس.

عندما سألت طبيبي عن سر ثقة النساء به رغم كونه رجلاً قال:

"كطبيب نسائية عليَّ أن أحترم ما تبوح به المريضة، وأصغي له بإمعان، فعندما تخبرني عن دورتها الشهرية مثلاً لا أستطيع المقارنة مع نفسي لأنه لا دورة شهرية للرجل، مما يجعل لكلامها مصداقية عالية لدي حيث لا مراجع لي إلا ما تعلمته في دراستي الجامعية وما تعلمني إياه النساء في كل يوم".

الكثير مما قاله طبيبي يبدو منطقياً، وربما لأطباء النسائيين الذكور قدرة على فهم النساء بموضوعية وتجرد أكثر من الطبيبات النسائيات، لكن عالم النساء يظل في أحيان كثيرة عصياً على الفهم لكثير من الرجال.

مثلاً كيف نشرح نحن معشر النساء لرجل معنى أن تحمل المرأة جنينها، الذي قد يتجاوز وزنه مثلاً الـ4 كيلوغرامات، ليلاً نهاراً بلا توقف أو استراحة، حيث يأكلان، يتنفسان، يمشيان، ويغفوان معاً، وكأنه بذرة تنبت في داخلها وتسقيها كل يوم حباً وحناناً لتصبح شجرة ترتبط جذورها برحمها؟

ثم كيف تحتمل أن يفارقها هذا الجنين بعد تسعة أشهر ويقص حبل السرة من دون أن يقص حبل الحب غير المرئي بينهما؟

INSIDE_womenhormones1

وكيف نجد تفسيراً للغة الأم مع أبنائها، لغة بلا كلمات، وكأن الكلام اختراع الرجل ليخاطب امرأته وأطفاله، بعد أن استعصت عليه لغتهم السرية؟

وكيف نشرح أنه رغم قوة الرجل وكتلته العضلية الضخمة، فإن عتبة تحمل الألم عند المرأة تفوق مثيلتها عند الرجل، ربما نتيجة الألم الذي تعايشه أثناء الولادة، مما يجعلها قادرة فيما بعد على تحمل أقسى حالات الوجع الإنساني من غير أن تنبس بآه واحدة؟

وكما يقال خيط الحرير أكثر قوة من الفولاذ رغم رقته.

وما يستعصي كثيراً على الشرح علاقتنا كنساء بهرموناتنا، مثلاً لماذا نبكي بلا سبب ولماذا نلتهم الحلويات بشراهة قبل الدورة، وكيف نشرح أن علينا أن ننزف كل شهر دماً، لتكتمل دورة الهرمونات في اجسادنا.

كيف علينا أن نضبط ساعة يدنا على الوقت، وننسى التقويم الزمني الخاص بنا، تقويمنا الذاتي جداً والذي تحكمه هرموناتنا الأنثوية.

شخصياً لست أدري كم هي عدد المرات التي استعصت عليَّ هرموناتي وسألت الطبيب عن لغز الهرمونات الأنثوية، وكان يجيبني بهدوئه المعتاد عن أسئلة ربما تطرحها الكثير من النساء على أنفسهن أولاً وعليه ثانياً، المشكلة أن لا إجابات واضحة لكثير من المسائل التي تقلقنا عادة كبشر وكنساء خصوصاً، أسئلة تتعلق بالحياة والموت والحب والشباب والأنوثة والأمومة، وهي أسئلة يستحيل الإجابة عنها كما نحل المعادلات الرياضية.

صحيح أن الهرمونات لا نستطيع قياسها بوحدة حسابية أو زمنية، ولكن هل علينا أن نقبل التفسيرات التي يقدمها لنا العلم، ونتوقف عن البحث؟

INSIDE_womenhormones2

أخشى أن يكون جوابي الخاص بالنفي، لأنني أشعر بالهرمونات تلاحقني كظلي، وكلما بحثت عن حلول لمشاكل طبية أخرى كتراكم المياه والدهون، أو تغير في لون البشرة، أعادني الأطباء إلى هرموناتي وطبيبي النسائي.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف نجد تفسيراً للغة الأم مع أبنائها.. وكأن الكلام اختراع الرجل ليخاطب امرأته وأطفاله بعد أن استعصت عليه لغتهم السرية؟

شارك غردالهرمونات لا نستطيع قياسها بوحدة حسابية أو زمنية ولكن هل علينا أن نقبل التفسيرات التي يقدمها لنا العلم، ونتوقف عن البحث؟

لا جواب شافٍ يقدمه لي الطب، فالهرمونات لا قاعدة تحكمها ولا مواعيد ثابتة لها، وعليَّ في النهاية أن أتوقف عن الترقب والانتظار وربما السؤال، فما يشرحه العلم لي بسيط جداً، والمرحلة المقبلة عليَّ لا محالة هي مرحلة "انقطاع الطمث"، الـMenopause

وهي كلمة لاتينية وتعني حرفياً "توقف الدم"، هكذا بكل بساطة وبكل دقة تعرف تلك المرحلة المفصلية في حياة المرأة، حيث يتوقف الدم لتبدأ مرحلة جديدة أو "مراهقة ثانية" تماماً كما بدأت المراهقة الأولى بظهوره الأول. وهكذا يمضي العمر بالمرأة من حال إلى آخر، والهرمونات هي عشرة هذا العمر، وفي كل مرحلة عمرية تترك آثارها السلبية والايجابية على جسد المرأة وروحها ومزاجها.

مراهقة، حمل، ولادة، رضاعة، انقطاع الطمث، يكون الهرمون الأنثوي مايسترو الجسد الذي يضبط إيقاعه ويحكمه.

سؤال الهرمون الأنثوي يقودني تلقائياً إلى السؤال عن الأنوثة بحد ذاتها.

وهنا قد نتفق جميعاً على أن الأنوثة ليست صفات جسدية فقط، بل هي سحر خاص يلف الروح ويجعلها شابة لا تشيخ...

أما جسدياً فلا تعريف محدداً للأنوثة، فهي تعود للذائقة الشخصية وتختلف حسب اختلاف الثقافات ومعايير الجمال فيها، ففي بعض المجتمعات تعتبر المرأة الرشيقة أكثر أنوثة، بينما ما زالت المرأة الممتلئة رمزاً للأنوثة في مجتمعات أخرى.

ولكن بغض النظر عن الأنوثة التي تفيض أو تختصر وفقاً لمعايير الموضة والزمان والمكان، يبقى الخصر بمثابة خط استواء الأنوثة، كلما اختصر اتسعت الأنوثة حوله وفاضت، وليس بعيداُ عنه "السرة"، تلك العين السحرية التي نرى من خلالها بدايتنا نحن مع أمهاتنا ومع الحياة، وفي هذه المساحة الوسطى الضيقة من جسد المرأة تتقاطع الأنوثة والأمومة والحياة.

إحدى صديقاتي قالت لي: مع العمر بدأت أشعر بخيانة جسدي لي، أو ما يمكن تشبيهه ب "التوزيع غير العادل للكيلوغرامات"، تراكم في مناطق وشح في مناطق أخرى، إلا الخصر ظل وفياً لعهده دائماً.

ولكن هل يمكن قراءة طالع الأنوثة من الخصر حقاً؟

الحقيقة أن أية قراءة للأنوثة جسدياً بمعزل عن الهرمونات الأنثوية وما تتركه على الجسد والروح ستبدو قراءة ناقصة، وهكذا تعيدني أسئلتي عن التغيرات التي تطرأ على جسد المرأة مجدداً إلى الهرمونات، حيث لا يجد الأطباء إلا جواباً واحداً لكل مشاكلي:

يتوجب فحص الهرمونات.

الهرمونات بنسختها الألمانية

في ألمانيا، بمحض الصدفة، أو كما تعقد اتفاقات السلام على أرض محايدة، ضربت أنا موعداً مع الهرمونات في عيادة الطبيبة الألمانية.

أول ما لفت نظري هناك مصطلح "سنوات التغير"، هكذا تعرف اللغة الألمانية فترة "انقطاع الطمث"، الفترة التي تجحفها الثقافة العربية وتطلق عليها "سن اليأس".’

اختلاف في التسمية واختلاف في تعاطي الطب والمرأة نفسها مع التغيرات التي تطرأ على جسدها وروحها، لا تحتاج المرأة كثيراً للبوتكس هنا لإخفاء تجاعيدها، بل تحتاج أكثر لتمسيد الروح من خلال الكثير من الإجراءات كالمتابعة النفسية، وتغيير نمط التغذية، أو ممارسة يوغا مصممة خصيصاً لمنتصف العمر تساعد على تهدئة اضطرابات الجسد والنفس.

INSIDE_womenhormones3

في العيادة النسائية، تشرح لي الطبيبة أنني ما زلت على الشاطئ، أنظر بهدوء لأمواج "سنوات التغير" العاتية وهي تقترب مني رويداً

وتضع أمامي خطوطاً بيانية لأربع هرمونات مختلفة:

Estrogen, progesterone, LH, FSH

وأفهم أنني سأكون تحت رعاية هذه الهرمونات أو ربما تحت رحمتها في السنوات المقبلة، ثم تضيف أن تلك الهرمونات الأنثوية ستهدأ يوماً ما وستدخل مرحلة التقاعد بسلام، وستدخل حينها روحي في سلامها من دون أن يعني هذا تقاعد الأنوثة أو استقالتها.

أما أسئلتي الكثيرة والتي لا أجوبة شافية لها، فتنصحني الطبيبة بأن أشتري روزنامة هرمونية، أدوّن فيها مواعيد الدورة الشهرية وكل ما يطرأ عليَّ من تغيرات، أي بمعنى: "لا أجوبة للطب على ما تعيشينه فابحثي بنفسك عن الحل".

من دون أن تنسى تذكيري بوضع واقي الشمس، لتجنب البقع التي تتركها الشمس عادة على ذوات البشرة الحنطية مثيلاتي في منتصف العمر، هكذا إذن عليَّ الابتعاد عن الشمس لأكون سعيدة، ولكن...

أليست الشمس مسؤولة عن هرمون السعادة؟

وهل هرمون السعادة يدخل في خانة الهرمونات الأنثوية؟

أسئلة تقود إلى أسئلة، وأنا في دوامة الأسئلة التي تتكاثر من دون توقف، تنصحني صديقتي، التي تكبرني بأعوام، بالمشي وتقول لي:

"كل ما أذكره من هذه الفترة، أنني كنت أمشي وأمشي، وكأنني أهرب إلى الأمام."

لا أعرف كم سيطول الطريق بي وكم عليَّ أن أمشي بعد؟

ما أعرفه الآن أنني أقترب من منتصف العمر بثقة رغم القلق والترقب، وما أعرفه أيضاً أنني امرأة أربعينية لا ترغب في العودة امرأة عشرينية من جديد، فلكل عمر متعته ولذته كما له مشاكله أيضاً.

وكما قال المتنبي:

خلقت ألوفاً لو رحلت إلى الصبا لفارقت قلبي موجع القلب باكياً

وأدرك تماماً أنني سأمر يوماً ما بحكم الجينات بما مرت به أمي وجدتي من قبلها، ولكن من دون أن يعني هذا أنني سأعيشه حدته نفسها أو بساطته نفسها، فلكل امرأة حكايتها الخاصة مع هرموناتها.

اليوم، أنا ما زلت في حالة مطاردة لهرموناتي، لا أسبقها ولا أسابق الزمن بها، ولا أتذاكى عليها بل ألعب معها لعبة المحقق الجنائي، تهرب مني وأتبعها، إلى أن يستسلم أحدنا للآخر ونعلن نهاية اللعبة:

كش ملك.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
آية الأتاسي

كاتبة سورية نشرت الكثير من المقالات في صحف عربية مختلفة، حاصلة على بكالوريوس هندسة كهربائية من جامعة دمشق وماجستير في هندسة الاتصالات من جامعة كارلسوه ألمانيا.

كلمات مفتاحية
المرأة

التعليقات