الكرة الآن في ملعب اللبنانيين...

الكرة الآن في ملعب اللبنانيين...

اليوم، اللبنانيون عموماً، والمجتمع المدني الناشط خصوصاً، أمام فرصة ذهبية. فالمجتمع المدني أمام استحقاق مصيري لخوض الانتخابات النيابية بوجه الطبقة السياسية الحالية ورص صفوفه وتشكيل حالة وطنية جامعة تُترجم الغضب الذي يتملك اللبنانيين بعد فشل الدولة وتراجع نوعية الحياة وجودة خدمات الحد الأدنى في لبنان.

واللبنانيون عموماً أمام استحقاق آخر هو حُسن اختيار ممثليهم في المجلس النيابي الجديد في الانتخابات النيابية مطلع العام 2018 التي ستقام على قانون نسبي جديد أكثر عدلاً من القوانين السابقة بالرغم من شوائبه.

انتج اللبنانيون الطبقة السياسية نفسها منذ حوالي 27 سنة، تغيرت وجوه بعض الوزراء والنواب، لكن الثابت الوحيد كان طريقة عمل هذه المنظومة.

تميزت الحياة السياسية أخيراً في لبنان بعلاقة موالاة ومعارضة غريبة.

لم تُشَكَل السلطة ولا مرة على قاعدة من يفوز بالانتخابات يحكم، أي يشكٰل حكومة من لون سياسي واحد، وذلك لعوامل عديدة، منها النظام الانتخابي الأكثري في دوائر صغرى وطريقة انتخاب مجلس النواب الذي يفتح باب تحالفات غير نمطية، فقد تجد الأضداد متحالفين في دائرة ما وحلفاء متخاصمين في دائرة أخرى.

والعامل الآخر هو الحاجة إلى صورة دعائية للترويج للحكومات الجديدة بوجه النقمة الشعبية المستمرة بوتيرة متفاوتة والحاجة لإرضاء جميع الأطراف السياسية بمقاعد وزارية توفر عليهم قصفاً كلامياً ومعارضة لعمل الحكومة.

INSIDE_LebanonFootball2_AFP

ومن باب عدم إقصاء أحد الأطراف والحفاظ على الميثاقية، أي تمثيل جميع الطوائف، تُشكل حكومات هجينة على أنها حكومات "وحدة وطنية" ذات صورة جامعة.

كانت هذه الحكومات ولا تزال مخرجاً سهلاً للسياسيين لتمرير الصفقات والتهم وإلصاق الفشل بالخصم السياسي الجالس على الطاولة الوزارية ذاتها. يتقاذف الوزراء والنواب اللبنانيون تهم الفساد والسرقة والهدر وقد يتم التصعيد في بعض الأحيان لحد السب والشتم والتخوين وخلق "حديث ساعة" عند المتابعين والقواعد الحزبية والمناصرين لمدة أسابيع، وحرب إلكترونية ضارية بين المناصرين على وسائل التواصل.

لكن اللافت هو أن جميع الصفقات يتم تمريرها في مجلس الوزراء بالرغم من الخصومة الشكلية والتجاذب الفلكلوري. واللافت أيضاً هو عدم محاسبة أي طرف أُتهم بالفساد لا بالعكس يجلسون إلى طاولات وزارية جديدة دون أي سؤال وكأن شيئاً لم يكن.

انطلاقاً من هذا الواقع، رفع ناشطون لبنانيون شعار “كلن يعني كلن” منذ عام 2011 مسلطين الضوء على شكلية الخصومة السياسية وخاصة بين معسكري 8 و 14 آذار اللذين نشآ في العام 2005 وكيف أن هذه الخصومة الشرسة في العلن والهشة جداً تحت الطاولة هي وسيلة لتأمين مصالح الأطراف السياسية كلها بسلاسة.

INSIDE_LebanonFootball_AFP

كَثُرَت الحركات الشعبية في الشارع منذ عام 2011 الخارجة عن اصطفاف 8 و 14 آذار حتى اليوم، ومنها من طالب بإسقاط النظام الطائفي ورموزه إذ اعتبر ناشطون أن هذا النظام بطبيعته وبرموزه السبب الرئيسي لفشل الدولة وهو عائق أمام أي إصلاح سياسي.

التحركات الشعبية الأخرى كانت مطلبية كتحركات المعلمين ومظاهرات 2015 عقب أزمة النفايات الشهيرة وتميزت هذه التحركات بسقف سياسي عالٍ أظهر حجم النقمة ورفض الطبقة السياسية الحالية.

يجنح البعض إلى لوم اللبنانيين على أنهم من ينتج هذه الطبقة السياسية الفاشلة من منطلق كما تكونون يولى عليكم. ولكن أزمة اللبنانيين السياسية أعمق من ذلك بكثير.

ما كرسته الحرب الأهلية من انقسام طائفي وشعور أقلوي لدى بعض الجماعات رفع من عدم الأمان عندها وجعلها تتكتل حول زعامات طائفية، حيث تستفيد هذه الزعامات من هذا الواقع وتستثمره وتصل به حد التحريض قبيل أي استحقاق انتخابي.

بالإضافة إلى العوامل الطائفية، كان النظام الانتخابي الأكثري السابق عائقاً أمام أي فرصة للتغيير حيث أنه غير عادل ولا يؤمن صحة التمثيل ويُكرس المحادل الانتخابية.

من ناحية أخرى، تمرّست الأحزاب اللبنانية بممارسة الزبائنية السياسية فاحتكرت الموارد وجعلت من نفسها قوة توظيفية، فأصبحت الجهة الوحيدة التي يلجأ اللبنانيون إليها لاستجدائها للتكرم عليهم بوظيفة أو بمساعدة مالية ما.

صادرت السلطة مجلس النواب منذ 4 سنوات حتى اليوم، إذ قام النواب بالتمديد لأنفسهم بطريقة غير شرعية لثلاث مرات منذ العام 2013 أي منذ موعد الانتخابات النيابية. اليوم اختلفت الأمور، بعدما استطاع مجلس النواب أن ينتج نظاماً انتخابياً نسبياً مع كثير من الشوائب، لكنه افضل من النظام الانتخابي السابق وحُدد موعد للانتخابات في أيار 2018.

تتجه الأنظار اليوم إلى نشطاء سياسيين مستقلين يعتزمون خوض الانتخابات في لوائح معارضة في وجه أحزاب السلطة.

خاض المجتمع المدني تجارب انتخابية ناجحة في الانتخابات البلدية وفي بعض النقابات، ولعل التجربة الأبرز تجربة “بيروت مدينتي” وهي لائحة مرشحين معارضين خاضت الانتخابات البلدية في بيروت عام 2016 وحصدت حوالي 40% من أصوات الناخبين بوجه تكتل كبير لأحزاب السلطة في لائحة واحدة جمعت الخصوم والحلفاء.

تعكس هذه الأرقام وغيرها من الاستطلاعات حجم النقمة الشعبية المتزايدة في وجه السلطة.

مما يعزز وصول مرشحي المجتمع المدني إلى مجلس النواب هو القانون النسبي الجديد، فهو بعكس القوانين السابقة يؤمن فوز المرشحين في اللوائح على قاعدة نسبية، مثلاً، لو كانت الانتخابات البلدية في بيروت على قاعدة النسبية لحصلت “بيروت مدينتي” على 10 مقاعد من أصل 24 في المجلس البلدي.

يبقى التحدي بالنسبة للمجتمع المدني التوحد وخوض الانتخابات بتحالف كبير يُشكل حالة وطنية تعزز إيمان اللبنانيين بإمكانية التغيير. ولكن بالنهاية من سيحدد شكل الحياة السياسية في لبنان بعد انتخابات 2018 هما الناخب والناخبة اللبنانيان، فإما أن يصوّتا لمرشحي المعارضة والمجتمع المدني ويفتحا الباب أمام سياسات اقتصادية واجتماعية جديدة، وإما أن يجددا دوامة أحزاب السلطة التي تستأثر بمقدرات البلاد من خلال المحاصصة والفساد بالتراضي.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أدهم الحسنية

مهندس ميكانيك، وناشط بيئي وسياسي رئيس نادي عين و زين البيئي في لبنان وعضو في جمعيات محلية وعالمية تعنى بالشأن البيئي والطاقات المستدامة.

التعليقات