صباحات ابتساماته وأسئلتي الوجودية

صباحات ابتساماته وأسئلتي الوجودية

هو يستيقظ سعيداً. يبتسم لي أوَّل ما يفتّح عينيه وكأنّه، مع كل صباح، يكتشف الحياة ويكتشف الحب ويكتشفني من جديد. وكأنّ الليل ينسيه، بمرور ساعاته، هموم اليوم الماضي، وأحلامه تسابق كوابيسه فتنتصر دائماً، وينتهي نوم ويطلع صباح بهناء.

أستيقظُ أحياناً مع شيء من الحزن، أحياناً مع شيء من الملل، وأحياناً مع سؤال وجودي يعيد طرح نفسه دون أن يكنّ. هكذا إغاظة لي. غالباً ما تكون صباحاتي حرباً باردة بيني وبين نفسي. نفسي العقلانية تحاول أن تتغلّب على نفسي النكدة. تبحث الأولى عن سبب استنفار الثانية، دون جدوى.

أيّام كثيرة لا تستكين فيها نفسي الهائمة سريعاً. تمرّ ساعة، ساعتان، أو ثلاث قبل أن ينجلي الحزن أو الغضب أو القلق أو أي شكل من أشكال الاستنفار الذي تكون قد اختارته نفسي النكدة في ذاك اليوم.

لا شكّ أنّ الحياة الأكاديمية تؤجّج الأخيرة. فأنا أكون وحيدة ساعات كثيرة، أحياناً أيّاماً بأكملها. أفتح صفحة جديدة على كمبيوتري لأبدأ بالكتابة فأجد نفسي أتساءل عن ماهيّة الكتابة وماهيّة المشروع وماهيّة الحياة (ولا أنفكّ عن التساؤل إلى ما بعد أن أكون قد تفقّدت فيسبوك مرّات عديدة، وكأنّه يحمل سرّ فك اللغز، لغز معنى الحياة).

أتجنّب بالمبدأ التفاعل الاجتماعي الفعلي لأنّه يبدو لي، عن بعد، وكأنّه سينهب منّي حريّة الوحدة. ولكننّي أجد أن تفاعلاً مفاجئاً، ولو كان قصيراً، غالباً ما يخفّف من كآبتي. وكأن الناس، بغرائبها وشخصيّاتها وأمزجتها وأحاديثها المتعدّدة الأشكال، تعيد إطلاق العنان للحياة فتصغر المسألة الوجودية، ولو مؤقتاً، صغر الفار في الرسوم المتحرّكة.

أمّا هو فأجده غارقاً في قراءاته، شديد التحمّس لإخباري قصصاً وتفاصيل عن عشيرة ما يكون قد قضى النهار يقرأ عنها، ولو أخذته بعيداً عن الموضوع الذي يفترض أنّه يبحث فيه.

لا يملّ ولا يقلق ولا يتساءل عن جدوى أبحاثه (ولا يتفقد فيسبوك)، وأغلب الأحيان لا يهمّه من المحادثات والتفاعلات الاجتماعية إلّا ما يتعلّق بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والسياسية.

لا حاجة لديه لدردشات خفيفة تنعشه في صباحاته. ولا وساوس في نفسه يبحث عن شيء ما مبهم يتآكله.

أقوال جاهزة

شارك غردأتساءل كيف يستطيع المرء أن يجد السعادة هكذا، بكل بساطة ومن دون تكلّف، لا آلهة ولا ماورائيات ولا روحانيات

شارك غردالناس، بغرائبها وشخصياتها وأمزجتها وأحاديثها تعيد إطلاق العنان للحياة فتصغر المسألة الوجودية، ولو مؤقتاً

يقول لي إنّ سعادته تامّة بين صباحات يفيق فيها إلى جانبي ونهارات يقضيها بين كتبه ليعود ويخبرني عنها آخر النهار. وأنا أغار من قدرته هذه على الرضا. أتساءل كيف يستطيع المرء أن يجد السعادة هكذا، بكل بساطة ومن دون تكلّف، لا آلهة ولا ماورائيات ولا روحانيّات ولا قوى سحريّة يلجأ إليها لإبعاد الأوقات الرماديّة.

أنا السحر لي كان دائماً الروايات، أهرب إليها في صباحات الميلانكوليا فتعطيني شيئاً من الخفّة ومن المسافة بيني وبين العالم وتساعدني في أن أتأقلم معه.

في شيكاغو التي عشت فيها وحدي السنة الماضية، كان الجزء المفضل من نهاراتي هو الوقت الذي أقضيه على القطار بين بيتي والجامعة، أغوص في كتاب وسطوح مباني المدينة تتسارع في النافذة المواجهة لي.

صرت أَجِد نفسي أحياناً أبطئ في الوصول إلى محطة القطار حتى يروح القطار السريع واضطر أن آخذ البطيء، هكذا يطول وقتي مع رواياتي وأصل إلى الجامعة كالمستيقظة من قيلولة، حاضرة ولكن حالمة في الوقت عينه.

ثمّ صار هو ملاذي أيضاً. لم يملأ الفراغ الصغير الذي في قلبي كما كنت أتصوّر سيفعل فارس الأحلام، كما في الأفلام. ما فعله هو أنّه وضع إصبعه على الفراغ ومسّده، ومع أنّه لم يكن لديه وسواس شبيه بوسواسي لكلّ - أمرىء وسواسه - إلا أنه فهم الفراغ ولم يخف منه.

ملأ أيّامي بقصصه واهتماماته وأحجياته الفكريّة. لم تختفِ الكآبة ولا الملل ولا الوساوس ولا القلق ولا المسألة الوجوديّة، فهي لا بد جزء من تركيبتي الكيماوية، لا قوّة لي عليها، ولكنّها هدأت، كما يهدأ الحزن مع أصابع تداعب شعراً، مع معرفة أنّ صباحاتي ستكون، دون كلل، صباحات ترافقني فيها ابتساماته.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
لبنى الأمين

أكاديمية لبنانية تدرّس النظرية السياسية في شيكاغو. كل أبحاثها وكتاباتها تدور حول ما يمكن وصفه بمسألة الشرق والغرب.

التعليقات