هرمنا يا دمشق

هرمنا يا دمشق

أقود سيارتي ليلاً، وأقطع المدينة من وسطها المزدحم بالمارة والباعة والمتسوقين ومرتادي المطاعم والمقاهي.

أتوجه نحو طرفها الشرقي المعتم، والذي تكاد تنعدم فيه الحركة في مثل هذا الوقت، نظراً لقربه من المناطق التي تشهد آخر فصول الحرب السورية، كما تتحدث كثير من وسائل الإعلام السورية: جوبر وغوطة دمشق الشرقية، وتعرضه نتيجة لذلك لقذائف الهاون وطلقات الرصاص المتفجر بشكل شبه يومي.

أصل الحاجز القريب من منزلي. يسلّم عليّ العنصر الذي تصادف نوبة عمله الآن، ويقول لي مبتسماً كعادته "كيفك. لازمك شي؟ إذا لازمك شي خبريني".

أرد بابتسامة مماثلة وأشكره وأمضي في طريقي، وأنا أفكر كم تجمعنا مصائر مشتركة نشعر بها خفية رغم أي اختلاف ممكن بيننا.

أصل ساحة العباسيين، أرى ضوءاً يلمع في الأفق وسط دخان كثيف ثم أسمع صوت صاروخ أرض أرض، الذي يُطلق عليه اصطلاحاً اسم "الفيل" لأن صوت انطلاقه وعبوره يشبه صوت "شخرة الفيل".

القصف ليلاً مخيف أكثر منه نهاراً، وصوت الطيران الحربي وهو يخترق سماء المدينة المظلمة يشعرني بالرهبة التي تتغلغل عميقاً داخلي. أيكون الموت ليلاً تحت جنح الظلام أكثر إيلاماً لمن يموتون أو لذويهم؟

تمتلئ حياتنا والمدينة من حولنا بالتناقضات، التي تتحول في لحظة إلى أذرع أخطبوط تكاد تلتف حول أعناقنا لتخنقنا، وتشكّل في الوقت ذاته مادة دسمة لأحاديثنا اليومية، نجترّها دون ملل، أو ربما بملل من يشتاق لأولئك الذين رحلوا، ولتفاصيل لن تعود يوماً، وقد حلت محلها تلك التناقضات، ملح حياتنا الرتيبة.

"شفت صورة الولاد اللي نايمين على الرصيف عند فندق الشام؟". "شفتها وطلعوا كذابين وعندهم بيت ويوميتهم مو أقل من 15 ألف ليرة وهن ما بدهم تكون حياتهم أحسن. الدولة ومنظمات المجتمع المدني ما عم تقصر، بس الشعب ما بيلبقلو".

أقوال جاهزة

شارك غردأيشعر الأموات بما نفعله نحن الأحياء؟ أيسمعون ما نقوله عنهم؟ أيدرون أي نقاشات وخلافات أثار موتهم؟

شارك غردأحاديث يمتلئ رأسي بها وكأنها أنغام أغنية يحاول مؤلف فاشل ترتيبها بشكل متسق، لتتحول إلى مجرد ضجيج

"يا حرام شو عم يكبوا مصاري على إعادة تأهيل الطرقات بطريق المعرض القديم، وعلى تجهيزات معرض دمشق الدولي. مو كان أحسن يعملوا فيهم مشروع يفيدوا هالناس؟ مو شايفين اللي عم يشحدوا بالطريق ليل نهار؟ لو وزعوا المصاري عليهم كان أحسن".

"بس المعرض هلأ أهم، لازم نقول للعالم أنو نحنا عايشين رغم كلشي وأنو البلد عم تنبض بالحياة غصب عن المؤامرة الكونية كلها. إي، سوريا عم تنبض..."

"وصرح I Love Damascus؟ ضروري يدفعو عليه مصاري لحتى يغيرو شكلو بمناسبة عيد الجيش؟". "الكل، اللي جوا قبل اللي برا لازم يعرفو أنو نحنا مع جيشنا وبلدنا وأنو عيد الجيش هو عيدنا وشرفنا وفخرنا".

"برأيك مين عم يروح على هالمطاعم والمولات؟ أقل فاتورة 10 آلاف ليرة عالشخص، بس مشروب وأركيلة. مين معو يدفع هيك مبالغ؟". "هدول ناس جداد ما منعرفهم. اللي منعرفهم ما معهم يحطوا ألف ليرة حق سندويشة".

منذ أيام، ينتشر خبر وفاة الإعلامي "خالد الخطيب" مراسل قناة روسيا اليوم وهو يغطي المعارك في ريف حمص. كالعادة، يزدحم حائطي على فيسبوك بمنشورات مختلفة ومتناقضة. أصدقاء ينعونه ويدعونه بالشهيد ويأسفون لرحيله وهو في ريعان الشباب، وآخرون يغضبون من إسباغ صفة "الشهادة" عليه، وفريق ثالث يحمّل مسؤولية موته لمن زج به في أرض المعركة دون أن تكون له خبرة في العمل الإعلامي الحربي.

قبل يومين، امتلأت صفحتي بمنشورات تنعي مهندس المعلوماتية السوري الفلسطيني "باسل الصفدي"، الذي يبدو بأن خبر موته منذ ما يقارب العامين قد تأكد لزوجته وعائلته، وتعود النقاشات والسجالات والخلافات على مختلف مستوياتها لتطغى على الموت بحد ذاته.

أيشعر الأموات بما نفعله نحن الأحياء؟ أيسمعون ما نقوله عنهم؟ أيدرون أي نقاشات وخلافات أثار موتهم، وكيف تحولت تفاصيل حياتهم وطريقة موتهم لمجرد كلمات تنشر على مواقع التواصل، ويغيب أثرها بعد أيام، لتحل محلها منشورات ستتحدث عن أطفال جدد مرميين على أطراف طرقات المدينة، وصروح جديدة ستظهر هنا أو هناك، وربما مسابقات لاختيار أفضل طبخة، وأجمل تسريحة، وألذ صحن فاكهة مع بوظة، فنحن بلد ينبض بالحياة.

أحاديث يمتلئ رأسي بها وكأنها أنغام أغنية يحاول مؤلف فاشل ترتيبها بشكل متسق، لتتحول إلى مجرد ضجيج. اليوم، أشعر بأنني امرأة عجوز تجاوز عمرها السبعين عاماً وأثقلت كاهلها وأحنت ظهرها أحزان لا نستحقها.

هرمنا يا دمشق... هرمنا.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

كلمات مفتاحية
سوريا مدونة

التعليقات