مذكرات فتاة متحررة من جيل اليوم (1): وعود ووعود

مذكرات فتاة متحررة من جيل اليوم (1): وعود ووعود

إذا لم تكن السماعتان مغروستين في أذني تعرضان قائمة من موسيقى الهيب هوب الفرنسية من التسعينات، فقد كنت سأنزعج بالتأكيد من المضايقات والصافرات في طريقي إلى محطة الأوتوبيس.

إذا لم أكن في عجلة من أمري وأريد الوصول إلى الصيدلية، كنت بالتأكيد سأرفع إصبعي الوسطى لكل الفتية والرجال الذين يحدقون في مؤخرتي.

بعد سنوات من العيون المعلقة بمؤخرتي، نكوّن حاسة سادسة متعلقة بهذه الأشياء؛ أستطيع أن أشعر عندما يحدق أحد من خلفي فيّ من دون الحاجة لضبطه متلبساً، إذا جاز التعبير.

ولكني وعدت نفسي بألا ألقي بالاً لأي منهم.

لا اكترث، لدي أماكن أذهب إليها، وأموال لأكسبها وأخرى لأنفقها وأدوية لأتناولها وأناس لألقاهم.

قضيت مشواري بكامله أفكر في إذا ما كنت أريد شراء ملين للأمعاء أم منوم، هل أصبح أنحف أم أبحث عن النشوة، هل أعطي الأولوية للحصول على مظهر جيد أم شعور جيد.

وعدت نفسي ألا أظل واعية اليوم ولكني كذلك وعدت أفضل أصدقائي بأننا لن ننزلق مرة أخرى للنهم العصابي.

للأسف، أو لحسن الحظ إذا نظرنا للمدى البعيد، الصيدلية كانت مغلقة ومتجر الآيس كريم مفتوحاً، لذا انتهى الحال بي أشتري قمع آيس كريم عملاقاً، تقيأته ايرادياً بعد ثلاثين دقيقة.

أمشي بجوار الحديقة في الطريق إلى الجامعة، أمر بها كل صباح. هناك رجل عجوز متعلق بمسبحته وعاهرة تخطت أفضل سنواتها وفقدت كذلك بضع أسنانها، تعاني من دوار السكر، ومدمن مخدرات، وثلاثة أطفال يبيعون الورود في جوار، يا للسخرية، مسجد جميل.

وعدت نفسي بأن أجلس هناك يوماً ما، أحدق أو ألف سيجارة حشيش أو أقرأ صفحة أو اثنتين أو ألتقط صورة، أن أهرب من تعجلي ونشاطي الزائد الدائم، وأهرب من رغبتي الدائمة في الهرب.

ولكنني لم أفعل ذلك مرةً، لا أريد أن يظن أحد بالخطأ أني فتاة تصلي.

أشق طريقي بين الدروس المملة، وأسأل نفسي إن كنت الشخص الوحيد الذي لا يمكنه تحمل لحظة واحدة من الفراغ أو دقيقة خالية من الإثارة أو ثانية يغيب فيّ الأدرينالين.

الآخرون جبناء، يرضون بالواقع الضحل ولا يصيبهم الملل من حياتهم اليومية المقززة، أو على الأقل لا يصابون بالضجر بما يكفي للرغبة في الهروب.

يصطنعون الابتسامات والضحكات والمشاعر والعمل حتى يتحسن الأمر.

أقوال جاهزة

شارك غردبعد سنوات من العيون المعلقة بمؤخرتي، تكونت لدي حاسة سادسة بالتحرش.. مذكرات فتاة متحررة

شارك غردصديقي السابق يقلني بسيارته ونتجول لينتهي بنا الحال نتبادل القبلات والمداعبة في المقعد الخلفي

زميلي في الدراسة يقضي نصف وقت الدرس في الحديث عن كيف يريد الزواج من سيدة بيضاء جميلة ستنقذه من مأساة عالمنا الثالث.

وعدت نفسي ألا أغضب من أنماط الحياة المختلفة عني، ولكني أجد صعوبة في الحفاظ على الكثير من هذه الوعود.

صديقي السابق يقلني بسيارته ونتجول لينتهي بنا الحال نتبادل القبلات والمداعبة في المقعد الخلفي.

وعدت نفسي أن أبقي هذه العلاقة معه عذرية بعد انفصالنا.

أبعده عني بعد ثوانٍ من المداعبة. "أريد شعوراً مختلفاً الآن". نحصل على بعض الحشيش وندخنه على الشاطئ.

ينزل إلى المياه ويسبح بسرواله الداخلي الرخيص، وأستمتع أنا برؤية شعره المجعد يجاهد ليطفو بين الأمواج أكثر مما أستمتع بألسنتنا القصيرة وهي تتعارك.

هو وسيم بشكل مبالغ فيه، أجلس في سيارته وأستمتع بأغنية كئيبة.

وعدت نفسي بأن أتوقف عن حب الأغاني الحزينة التي تكبس على أنفاسي. سأفعل ذلك، فقد وعدت.

يوصلني إلى بناية بعيدة عن منزلي لأتجنب عيون جيراني المفترسة، ففي مثل هذه الأحياء الصغيرة في المدن الكبيرة، يميل الجيران لأن يجعلوا شؤون الآخرين من شؤونهم الخاصة.

هو لا يتمتع أيضاً بسمعة جيدة في مدينتنا، بذراعه الموشوم وأذنه المثقوبة. مظهر غير ملائم لفتى أسمر ولكنه شديد الجاذبية لسائح أبيض.

على عكسي أنا، الفتاة اللامعة في الـ21 من عمرها ولها مواضيع منشورة في مجلات معروفة وتساعد في أعمال المنزل ويعتقد الجميع أنها ستتزوج فتى مسلماً طيباً. مع أن أحداً لم يفكر في أن يسألني عن رأيي في هذا المصير المحدد سلفاً.

وعدت نفسي بأنني، في عيون والديّ، سأكون أياً كان من يريدونني أن أكون. أعتقد أنني حافظت على هذا الوعد.

أحبس نفسي في دورة المياه وأبحث عن دواء للسعال يمكنني تناوله قبل الاستمناء لكي أرضي رغبات جاءتني قبل سويعات. بعد ذلك أهرب إلى سطح المنزل لأدخن سيجارتي الأخيرة لليوم. كنت قد وعدت بأنني سأقلع عن التدخين بالقرب من المنزل. سأفعل، فقد وعدت.

وعدت بأنني سأنضج وأخرج من هذا النمط المدمر الذي يليق بمراهقة.

وعدت بأنني سأرضى بالوسط وأتوقف عن السعي وراء الإنجازات الكبيرة التي لا أقدر عليها.

وعدت بالتوقف عن انتظار النسخة الممتازة مني.

وعدت بأنني لن أكون كاريكاتوراً سيئاً لجيلي، وألطخ سمعة أطفال التسعينات. سأفعل، فقد وعدت.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
غزلان راضي

غزلان راضي، 21 سنة، صحافية مغربية حرة و طالبة اللغة الانجليزية بالجامعة. كاتبة و شاعرة. مرت من Free Arabs, Huffington Post Maghreb, و Telquel. ناشطة الى متمردة.

التعليقات