في عشق السفر: 14 دولة، 84 مدينة و28 منزلاً

في عشق السفر: 14 دولة، 84 مدينة و28 منزلاً

زرتُ حتى الآن أربعاً وثمانين مدينة في أربع عشرة دولة، وحين أقول زرتُ أقصد أنّني أقمت في هذه المدينة يوماً واحداً على الأقل، هذا بخلاف عشرات القرى والمدن الصغيرة والبلدات، كما عشتُ في ثمانية وعشرين بيتاً في اثنتي عشرة مدينة، وحين أقول عشتُ أقصد أنّ بيتي وعنواني كانا هناك.

مع الأسف، فإن وضعي المادي وأوراقي القانونية وعمري الصغير، نسبياً، لم تسمح لي بأكثر من ذلك. وبما أنّني مخرج أفلام وثائقية أرسل أفلامي إلى مهرجانات وفعاليات مختلفة، فقد عرضت أفلامي في تسع عشرة مدينة.

مرة سكنت في غرفة واحدة مع ستة أشخاص، ومرة سكنت وحيداً في بيت مساحته مئتا متر مربع. كما نمت في شوارع أربع مدن إذ لم يكن لدي مكان أبيت فيه ولا المال الكافي من أجل استئجار غرفة في فندق أو بيت.

حالياً أسكن في مدينة برلين، العاصمة الألمانيّة، وهي أكثر المدن المناسبة لي للسكن فترات طويلة.

شاهدتُ مدناً عظيمة بتاريخها ومدناً جميلة بآثارها ومدناً حديثة بعماراتها وطرقها. شاهدت بشراً من كلّ الأنواع ولديّ أصدقاء من كلّ مكان، من الصين حتى تشيلي مروراً بمعظم دول العالم.

هناك اختلاف بالعادات والتقاليد في كلّ مكان لكن البشر الذين التقيتهم بشكل عام يتشابهون في الصفات الإنسانيّة، بالطبع في كلّ مكان ناس جميلون وناس سيئون لكن إجمالاً، والتعميم خاطئ لأنّ الأمر يعتمد على التجارب الفرديّة، الناس الطيبون أكثر بكثير من السيّئين.

فعلت أشياء كثيرة حلوة جداً، كأن مثلاً، شربت قهوة الصباح على واحدة من أحلى الشرفات في العالم، إذ كانت تطل على بيوت كهفيّة من عصر ما قبل التاريخ وما تزال مأهولة حتى الآن. أكلت بمطعم كان مارادونا قد تناول طعامه فيه. عرضت أفلاماً في صالات كان حلمي الجلوس فيها. شاهدت بأم عيني أماكن تصوير أفلام أحبها جداً. والكثير الكثير من الأمثلة الأخرى.

هناك مدن عظيمة مثل بيروت ودمشق والقاهرة واسطنبول، وهي مناسبة للسكن، ولكن لمدة قصيرة. هذه المدن متعبة بتاريخها وحاضرها وإن أراد الإنسان حياة عادية هادئة لا يحارب فيها كلّ شيء كلّ يوم، فعليه أن يجد مدينة أخرى ليعيش فيها. 

وهنالك مدن مثل لشبونة وميونخ وحلب ومدن جنوب إيطاليا، وبالأخص ماتيرا وأوستوني، وباريس وأمستردام ولايدن وإشبيلية، التي تحتوي على أربعمئة دار أوبرا، تستحق أن تُزار، على الأقل لمرة واحدة في حياة الإنسان.

بينما أجمل المدن التي شاهدتها كانت غرناطة بلا أي مقارنة، غرناطة هي المدينة التي لم يُخلق لها مثيل بجمالها، ومحظوظ من وُلد هناك، غرناطة هي جنة الله على الأرض.

أقوال جاهزة

شارك غردفي عشق مدن عظيمة بتاريخها ومدن جميلة بآثارها ومدن حديثة بعماراتها وطرقها

شارك غردأنا على يقين بأن لا مكان في العالم يستحق أن يقضي المرء كلّ حياته فيه. والحياة رحلة...

الطعام لذيذ في كلّ مكان، والمطبخان السوري واللبناني من أفضل المطابخ في العالم، الأكل التايلندي مميزٌ جداً، والحلويات السوريّة هي من الأفضل في العالم. رغم ذلك يبقى الطعام في إيطاليا مختلفاً. مهما كان الشيء الذي يطبخونه في إيطاليا فإنّه أطيب مذاقاً من الطبق نفسه المطبوخ في مكان آخر.

كذلك الأمر في البرتغال، طعامهم لذيذ ومعظمه بحري. أفضل شرائح اللحم تذوقتها في لشبونة. على فكرة، شرائح اللحم الأرجنتينيّة هي من الأفضل على الإطلاق.

في إيطاليا، يهتم الناس بثيابهم بشكل كبير، حتى في الحارات الفقيرة والمدن الصغيرة، إذ قلما تشاهد أحداً لا يهتم بثيابه او حذائه أو تسريحة شعره باستثناء المشردين والفقراء جداً والأناركيين واللاجئين.

أجمل الشواطئ التي شاهدتها هي شواطئ البحر الأسود، وأفضل بحر من أجل السباحة هو البحر الأبيض المتوسط.

كلّ اللغات جميلة ولها خصائصها التي تتفرد بها عن اللغات الأخرى. في جعبتي أربع لغات أستطيع التكلم بها وأسعى إلى تعلم الخامسة حالياً. بالنسبة لي، فإنّ اللغة العربية هي لغة جميلة جداً شعرياً لكنها لغة جامدة لا تطوير فيها، وهذا بحث آخر. على كلّ حال، يبدو أنّني مغرم بإيطاليا، فإنّ اللغة الإيطالية هي أجمل اللغات موسيقياً، إذ تشعر بهم يغنون لا يتكلمون.

لا يوجد شخص في هذا العالم معروف من قبل الجميع، لا كاتب ولا عالم ولا ممثل. كثيرون لا يعرفون من هو دوستويفسكي مثلاً وكثيرون هم من لا يعرفون آينشتاين، وربما كانت أكثر الشخصيات شهرةً هم الرياضيون كمحمد علي كلاي وميسي وماردونا وبيليه.

بالمناسبة يمكن للمرء الحديث عن كرة القدم في كلّ مكان، ففي كلّ مكان محبون لهذه اللعبة.

في كلّ مكان زرته كان هناك بشرٌ يعانون من الفقر والمرض والحرب أحياناً، وبشرٌ آخرون يعملون دون مقابل من أجل تحسين حياة المحتاجين، وهذا ما يجعل العالم مكاناً أكثر جمالاً.

هذا الكوكب هو مكان بشع جداً وفي الوقت نفسه، مكان جميل جداً، هذا يعتمد على الزاوية التي تراه منها. لكن كلّما سافرتُ أكثر أحسستُ كم هو كبير هذا العالم وكم كثيرة هي الأمور التي نجهلها. وهذا ما يجعلني أفكر بالسفر أكثر. مع السفر، تبدو المشكلات مهما كبرت، تبدو أصغر.

يقولون في سوريا: "عشقتُ السفر من غدر البشر"، لكنني أقول: عشقت السفر من حبي للبشر وللمعرفة.

أريد أن أسافر أكثر وأعيش في مدن أكثر، لأنّني على يقين بأن لا مكان في العالم يستحق أن يقضي المرء كلّ حياته فيه. والحياة رحلة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
دلير يوسف

كاتب ومخرج من سوريا، أخرج عدداً من الأفلام السينمائيّة منها: "أمراء النحل" و"منفى" و"بانياس: البدايات" و"حبل غسيل". وله كتاب مطبوع بعنوان "حكايات من هذا الزمن" صدر في العام 2014 من بيروت. مقيم حالياً في برلين- ألمانيا.

كلمات مفتاحية
مدونة

التعليقات