لهذا أرقص: الجسد كأداة مقاومة وآلية هجوم

لهذا أرقص: الجسد كأداة مقاومة وآلية هجوم

إذا سُألت أي نوع من أنواع الرقص أرقص، أجيب: رقص شرقي. لحظات صمت ومحاولات إبتسام وتجاوز للإجابة.

نعم؛ أنا أرقص رقص شرقي، أو بلدي، أرقص رقص الخصر، أتمايل، أحلق بذراعيّ، وأتناغم مع الموسيقى، وأُنتج شيئًا مختلفًا يحمل قدر فرديتي فيه شغفًا.

1781113_818608501540223_3969683251804962676_o

كبرت، كواحدة من هؤلاء النساء اللواتي إن شاركن في مناسبة سعيدة، رقصن. عبّرت نساء عائلتي عن أنفسهن بأجسامهن، في المآتم لطمن وجوههن، وفي الأفراح صبغنها بالألوان. هكذا كانت أجسامنا وسيلة تواصل، مؤازرةً ودعمًا، فرحًا وحزنًا. حرّة إلا من بعض الأشياء.

في طفولتي، كنت كعادتي متلهفة لأدخل عالم النساء الأكبر سنًا، فكنت شغوفة يوم ختاني، كبابٍ أطرقه لهذا العالم. لم أترك عالمي الأول بالكامل. كانت لي قدم داخله، تشهد معي على ذكرى اعتداء جنسي، لم أروِ تفاصيله حتى اليوم. معلقة بين عالمين، كنت كذلك فترة، وسأظل هناك لفترة. يتخللها أحد عشر عامًا من الحجاب القسري، لأن مدير مدرستي الإعدادية كان "راجل حِمش". بدأت أدرك أن جسدي مصدر أزمات للجميع من حولي. وحين ازدادت الطلبات بأن أتوقف عن الرقص في المناسبات لأنه لم يعد من اللائق أن أرقص، لم أتوقف عنه في أي مرحلة، رقصت في كل مرة أردت العودة إلى جسمي كملكيتي الخاصة، وليس كساحة حرب.

التوحُّد مع الذات: المرآة كجمهور

يقول صديقي اسماعيل فايد أن للرقص الشرقي ثلاثة أركان: المؤدية والموسيقى والجمهور، هكذا تُخلق الرقصة. فإن كانت الراقصة تعتمد على الجمهور كرُكن لإتمام رقصتها، فأنا هنا أنظّر لبُعد آخر من الرقص الشرقي، تعتبر الراقصة نفسها فيه جمهورًا.

حين نتوّحد مع ذواتنا، نخلق آفاقًا جديدة لتلك الذوات. نفوسًا حرّة، مُتناغمة، خالقة من اللاشيء شيئًا.

هناك، في الغرفة الخاصة حيث لا عين تُقيّم، ولا شخص يوصم. هناك حيث لا أحد يتحكم سوى أنا. كانت المرآة جمهوري الذي أُعجب بي ودفعني لابتكار المزيد. رقصت على كل أنواع الموسيقى. كنت أنظر لحركاتي في المرآة بعينٍ خارجية، أنقد نفسي أحيانًا، وأثني عليها أحياناً أخرى. هكذا طورت علاقة خاصة مع جسمي، علاقة ما بين الإعجاب والانبهار. تفاعلت مع المرآة وتفاعلت معي. أعطتني نفسي ما أريده، القبول.

قبلتُ جسمي كما هو. قبلت شكله. قبلت حيويته وهبوطه. قبلت تلك الانحناءات، وهذه البروز، والألوان غير الموحّدة. قبلت عدم قدرتي على تنفيذ بعض الحركات. أصبحت جمهور نفسي، فلم تتبقَ مساحة لأي جمهور خارج هذا الجسد، ما عدا مَن آذن لهم بذلك.

الذاتية: أجسام خارج السيطرة

ما يُميز الرقص الشرقي عن غيره، إنه رقص أدائي وليس إيقاعياً. أي أن الراقصة ترتجل الحركة على الإيقاع، ولا يحدد لها الإيقاع الحركة. هناك حركات عدة تناسب إيقاعاً واحداً، منها أن تختار الراقصة ببساطة ألا تتحرك.

في مساحة غرفتي أختار الموسيقى، أختار الملابس، أختار المدة، وأختار متى أبدأ ومتى أنتهي، أختار متى أنظر للمرآة ومتى أعطيها ظهري. هذا النطاق من الحكم الذاتي في الجسد كان نواة مقاومة لكل موقف صعب تعرّضت له بسبب جسمي، وبسبب أني امرأة. كان بداية لأسئلتي عمَن يملك جسمي، ولماذا لا أستطيع الرقص في العلن. لماذا أوصِد الباب بإصرار، أو بخوف. هذه المشاعر المختلطة قادتني لنتيجة ما: حتى لو كنت أقفل الباب خوفًا، فما زال فعل الإقفال يعود إلي. أنا أحدد متى أوصد الباب ومتى أفتحه. هكذا خرجت من دوامة الأفكار لما هو متجاوزها في معناه وكينونته. ما زالت أتحكم. ما زلت أفعل، ولا يُفعل بي.

أقوال جاهزة

شارك غردالرقص الشرقي من الملاهي الليلية إلى المواقع الاجتماعية: هل تحرر التكنولوچيا النساء أم تحرر النساء التكنولوچيا؟

شارك غردالناشطة غدير أحمد: أرقص لأن الرقص الشرقي يدعم الذاتية وفاعلية الجسد

في المَزج بين الموسيقى والحركة أجد ضالتي، وفي الخَلق. تتلقى مسامعي النغمات، فتسري في جسمي، لأقرر أي حركة سأعبّر بها. يقولون إن الموسيقى هي مَن ترسم الرقصة، وأقول إن الحركة هي التي تصنع كليهما. دون حركة تظل الموسيقى جامدة، سمعية غير متجاوزة لحدود الرؤية. ودون حركة تصبح الرقصة شيئاً غير موجود، لم يُخلق بعد.

والحركة غير مُرادفة للرقصة. فالحركة هي الفعل الذاتي الذي يرسم ماهية الرقصة، وتظل الرقصة هي المُنتوج النهائي لهذا الفعل. الانتقال منن حركة لأخرى، من قدم لأخرى، من الخصر للذراعين، ومن التمايل إلى الثبوت في المكان، هذا ما يُكوّن الرقصة في شكلها النهائي، ويعتبر في مضمونه فعلاً ذاتياً لا يقبل التأويل. هذه الذاتية وازنت بين ما هو داخل الغرفة وبين ما هو خارجها. هنا أصبحت ذاتي هي المنبع والمَرَد، لأي فعل. هنا أكون أنا المعيار.

في الغرفة يُصبح جسمي ملكي. حرًا تمامًا. تاركًا على الناحية الأخرى من الباب، كل ما هو عيب أو حرام. كل ما أُمنع من فعله بشكل مباشر وغير مباشر، كل ما هو مرفوض اجتماعيًا، أو مقبول. كل اعتبار لم أختره، وكل قاعدة لم أرسِها بنفسي.

تعميم الخاص: أن يدخل الجمهور غرفتك الخاصة

الرقص الشرقي موصوم. تستقبله الأغلبية كفعل إثارة جنسي، ولم يُقتطع من سياقيه التاريخي والسياسي، بل جلبهم من فضاءاتهم العامة إلى فضاءاتنا الخاصة.

الرقص خلف الأبواب المغلقة هو فعل خاص. وما يزيده خصوصيته هو أنه تعبير جسدي وفي الغالب نسائي. في مجتمعاتنا نكبر على مفاهيم بعينها عن أجسام النساء كجزء أصيل من مجال خاص، يملكه الرجال. هنا توضع الشروط عن انتقالنا من الخاص إلى العام. أجسامنا التي عادةً لا تظهر إلا مغطاة، غير مقبولة في المساحات العامة. يستخدمون أجسامنا لإرهابنا وإعادتنا من حيث يرون أننا آتيات، غرفنا الخاصة. معايير عن اللائق وغير اللائق، عن المقبول وغير المقبول، عن المُصان والمُستباح، خُلطت بأخرى عما هو الفن الراقي وما هو الفن المبتذل، عما هو متوقع منّا كنساء، وبموقعنا في منظومة أبوية تشرف عليها الدولة وتنفذها عائلاتنا.

كنت واحدة من هؤلاء اللاتي تجرأن على تحدِ النمط بفعل ذاتي حر. فأرسلت فيديو أرقص فيه إلى أحدهم، فنشره على الإنترنت محاولًا "فضحي". صدقًا، لن أستطع وصف الرعب الذي شعرت به لمجرد أن ينتشر فيديو لي وأنا أرقص، وماذا سيقول الناس عني، وعن عائلتي؛ ابنتهم راقصة تتموّج بغير خجل. استجمعت قواي بعد فترة قليلة وأعدت نشر الفيديو على صفحتي الشخصية.

إعادة النشر واختيار الجمهور، فعلان ذاتيان غير منفصلين. لم يكن اختيار إعادة النشر، اختيارًا حرًا قدر ما كان عصيانًا. عصيت المعايير التي لا أعلم من وضعها عن كيف يجب أن تظهر أجسام النساء للعامة. وعصيت فكرتهم عن الرقص الشرقي، فاستخدمت جسمي الراقص ليس فقط كأداة مقاومة، ولكن كآلية هجوم.

قلبت الآية. عممت خاصًا. فتحت الغرفة، ليس من الباب، وإنما من داخل الغرفة نفسها. خلقتُ بُعدًا. أفسحتُ مجالًا، واخترت جمهورًا إضافيًا.

مَن يُحرر الآخر؟ التكنولوجيا من حرب إلى مساحة مُحرَرَة

في غضون شهور قليلة، بدأتُ نشر مقاطع رقص قصيرة على صفحاتي الاجتماعية من زاوية أختارها، ومساحة من غرفتي أتحكم في ما أود كشفه منها فقط لأحوّل بذلك سلاحاً تهديدياً إلى نطاق مُضاف لنطاق غرفتي. هذا العدد اللانهائي من المُستخدمين بكل ما يُثقلهم من أفكار، أنا مَن يتحكم في ما سيرونه مني، وما يظهر لهم من مساحاتي الخاصة. غرفتي الآن في متناول الجميع، هذا ما يظنونه.

ما يتناوله العامة هو مساحة الرؤية والظهور اللذين أحددهما في كل فيديو بإرادتي الحرّة. وفي هذا أختار ما أود تعميمه وما أبقي عليه خاصًا. بتجاوز حدود الزمان والمكان، وعن طرق هذا التداخل بين تخصيص العام وتعميم الخاص، أحوّل رقصي إلى تجربة ذاتية حيّة، عن تفاعلي مع جسمي وفاعليتي فيه.

أرقص للحرية وللشغف

لم أنجُ نجاة كاملة بعصياني. ما زلت أتردد في كل مرة أنشر فيها ثوانيَ معدودة أرقص فيها. إن كان وضعي السابق كضحية للابتزاز سمح لي بإعادة نشر فيديو الرقص الأول، فما مبرري الآن إن كنت أنشر فيديوهات أرقص فيها دون أن أكون مدفوعة برغبتي في المقاومة -كضحية؟

Belly-Dancing_Mario_Flickr

في مجتمعاتنا قد يقبلون النساء العاصيات، ويعيدون إدماجهن تحت بند الإستتابة المجتمعية، لذلك فمن الأرجح أن الفيديو الأول خدم فكرة الضحية، وفانتازيا المقاومة. لم تكُن تلك حالتي بالكامل. أنا أنشر فيديوهاتي لأنني أحب الرقص بالفعل. أرقص مُبتسمة لأنني أستمتع برقصي، لأني مُغرمة بجسمي ومُتصالحة معه، ولأنني أرغب في مشاركة هذه البهجة مع آخرين.

في كل مرة أرقص، أشعر بالتهديد، لأن ما أفعله قد أدفع ثمنه خسارة لأشخاص أحبهم، أو عرقلة لرحلتي كأكاديمية أو ناشطة. الأمر يحتاج إلى طاقة لا أملكها. على رغم ذلك كله، عند النشر، أشعر بالرضا.

هذا الرضا هو ثمرة تغلبي على مخاوفي وترددي قبل النشر. هذا الرضا هو مرور على كل مرة تساءلت فيها لماذا لا يمكنني التحكم في جسمي، ولماذا هو دائمًا لآخرين أكثر من كونه لي. مرور على كل مرة تراجعت عن قرار أردته في جسمي لأني لا أملكه بالكامل. وقوف على كل ألم شعرت به بعد استباحة. تجاوز لكل مرة فشلت فيها في استعادة جسمي.

هذا الرضا هو احتفائي بجسمي وبإتقاني هذا النوع من الرقص، وبخيالاتي عن الحرية التي أريدها لي ولغيري من النساء. عن تمثيل الرقص لهذه الحرية تمثيل حي لا يشوبه شيء. هذا الفعل الذي يأتي من الداخل للخارج، أستخدمه لإرساء الحرية التي أتمناها: أن نتصرف كنساء بحرية في أجسامنا، وألا نوصم بفاعليتنا فيها، أن نحتفي بأجسامنا مهما كانت أشكالها وألوانها، وأن نحدد بأنفسنا ما هو عام وما هو خاص.

عندما أرقص تدور في ذهني أفكار عن هؤلاء النساء، اللواتي تملأ فيديوهاتهن موقع يوتيوب والمواقع الإباحية، تحت عناوين: شاهد قبل الحذف\ فضيحة فلانة\ شاهد نساء عربيات مثيرات. أتذكر مخاوفي الأولى.

إلى هؤلاء جميعًا أهدي رقصاتي، وأسألهن استخدام جسمي كجِسرٍ واصل بين تجاربهن الماضية وتجارب مستقبلية لنساء أخريات. ربما إن استطعنا يومًا اعتياد هذا النوع من المحتوى على الإنترنت، تصبح أجسامنا عادية، وفضاءاتنا الرقمية أكثر استيعابًا، لنا، ولكل مَن اختارت ألا تُشارك.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
غدير أحمد

- ناشطة نسوية مصرية، وباحثة متخصصة في دراسات المرأة والنوع الاجتماعي.

كلمات مفتاحية
مدونة مصر

التعليقات