"بشتري راجل" تجربة فاشلة في مواجهة التابوهات؟

"بشتري راجل" تجربة فاشلة في مواجهة التابوهات؟

أثار مقطع فيديو قصير انتشر عبر فيسبوك، جدالاً غير مسبوق جعل عدداً كبيراً من الناس يصدرون أحكاماً مع أو ضد. الفيديو لفتاة تدعى "شريهان نور الدين" تعلن فيه رغبتها في اﻹنجاب بدون زواج، وبحثها عن متبرع بالحوَيْنات المنوية.

بعد أن حقق الفيديو الهدف المرجو منه، أوضح صناع فيلم "بشتري راجل" أن مقطع الفيديو حيلة دعائية من أجل التسويق لمشروعهم السينمائي. حيلة تبدو منطقية مع فكرة الفيلم الصادمة، والتي تناقش واحداً من "التابوهات" التي لا يستطيع أحد الاقتراب منها في المجتمع الشرقي الغارق في التناقضات ويشجع "الخطأ" الخفي ويحرّم الجهر به. فما دمت منفرداً بنفسك إفعل ما شئت داخل غرفتك حيث لا أحد يراك.

"بشتري راجل" يطرح قضية هي محل جدل واسع ليس فى مصر فقط إنما كذلك في كل أنحاء العالم، إذ أصبح الآن بإمكان المرأة أن تنجب بدون علاقة زوجية. فالتطور الطبي يتيح للفتاة التي تعاني من مشاكل الحمل والإنجاب أن تصبح أماً عن طريق الأنابيب، بل أن المسألة بدأت تأخذ أبعاداً علمية أكثر تطوراً إلى حد إنجاب طفل من ثلاثة أشخاص، رجل وامرأتين.

هذا التطور الطبي نجح في كسب جمهور آخر من النساء اللواتي لا يردن الدخول في دائرة الزواج أو يحلمن بأن يكن أمهات بدون علاقة جنسية، ومع ذلك ما زلنا في مصر غير قادرين على مناقشة الفكرة حتى في فيلم بشكل جاد، فالخيال مخنوق وعاجز عن المواجهة أمام حصار الخوف وقيوده.

لكن مؤلفة الفيلم إيناس لطفي، التي يعد "بشتري راجل" أولى تجاربها في الكتابة السينمائية بعد سلسلة من الكتابات عبر مدونتها "عايز اتكلم"، اكتفت بطرح عنوان فقط دون التطرق لجوانبه كافة.

بدأت تساؤلات تدور في رأسي: لماذا دائماً تنتهي الأفلام العربية بخاتمة سعيدة؟ أين النهايات الصادمة؟ لماذا لم تحمل نهاية الفيلم قدراً صدامياً كاسمه وكالفيديو المروج له؟ وماذا كان سيحدث لو ناقش الفيلم الموضوع من جوانب مختلفة، لتوضيح الفكرة وفتح المجال لنقاش جدي يمكنه أن ينبش الكثير من المسكوت عنه.

المناقشة العابرة للقضية التي أثارها الفيلم انعكست على الإخراج النهائي للعمل، وجاءت أيضاً على عكس التوقعات تجاه الأسئلة الكثيرة التي تبادرت إلى ذهني قبل وأثناء مشاهدة الفيلم، وهي حول مدى صمود نيللي كريم (شمس) في رفضها الزواج، وما إذا كانت ستنجح في الدفاع عن وجهة نظرها التي لخصتها عبارة ظلت ترددها بكل بساطة: "مأذون... أنبوبة معمل... مأذون"، واللجوء إلى الرجل فقط كوسيلة للإنجاب، وإشباع غريزة الأمومة. عدا كيف سيتعامل المجتمع مع هذه المسائل، ومدى تصادمها مع منطق الحرام والحلال ومعايير الرفض أو الإجازة.

أقوال جاهزة

شارك غردأعلنت رغبتها في اﻹنجاب بدون زواج، وبحثها عن متبرع بالحوَيْنات المنوية. هل أتى الفيلم على قدر الجدل الذي أثارته؟

لم يستثمر مخرج الفيلم محمد علي حالة الإثارة التي صاحبت الدعاية له، كونه لم يخترق عمق ذلك الصراع الحسي القاتل بين العقل والقلب، وهواجس تضارب المشاعر بين الطبيعة الإنسانية والقناعات الفكرية أو المعتقدات المترسخة، وإبراز مكنونات الصراع حول النفوذ والحرية والذات، الخفي والمعلن منه في العلاقة بين الرجل والمرأة، سواء على مستوى الحياة الخاصة أو العامة، بالإضافة إلى دور الجنس وتأثيره باعتباره حاجة جسدية وبيولوجية، وأحد عناصر صراع صعب فرضه المجتمع داخل عقل المرأة بين إشباع حاجاتها الطبيعية من جهة، وتحقيق ذاتها المستقلة من جهة أخرى.

سمعت كثيراً في الجلسات النسائية عن هذا الموضوع، وعن أن المرأة بإمكانها التخلي عن الرجل كونها ليست مجبرة على تحمل تحكمه فيها وخيانته لها، لأنها زوجته ليس إلا، ولأن المجتمع يكتفي بمقولة "ده راجل... يعمل اللي هو عاوزه". تلك النظرة النسوية صارت تتعاظم مؤخراً، وربما هي من أبرز المؤثرات المتسببة في ارتفاع نسب الطلاق في السنوات الأخيرة.

كانت بداية الفيلم مع "شمس" التي تؤدي دورها نيللي كريم، وهي شخصية مستقلة تعمل في أحد البنوك، وقد تخطت سن الثلاثين، وتسعى والدتها إلى تزويجها من خلال "جواز الصالونات" - إحدى الطرق التقليدية المتعارف عليها - ولكن الابنة تنجح في "تطفيش" العريس. تنزعج منها "الأم" التي تقوم بدورها ليلى عز العرب، وتواجهها بشكل صدامي، متوقعةً بأنها سوف تندم لاحقا، عندما تفقد قدرتها على الإنجاب.

وبعد أن أشارت التحاليل إلى ضألة فرصة الحمل، أنشأت شمس حساباً وهمياً على فيسبوك تطلب عبره متبرعاً بالحوَيْنات المنوية مقابل مبلغ مالي مغرٍ. بدأت هنا رحلتها في البحث عن الرجل المناسب، والذي يصلح لأن يكون أباً لطفلها المحتمل.

يتقدم عدد كبير بناءً على هذا الإعلان، لتفاضل بينهم وفقاً لبعض المعايير التي حددتها بنفسها، وكان ضمن هؤلاء المتقدمين الدكتور البيطري بهجت أبو السعد، وهو محمد ممدوح بطل الفيلم، بعد أن وجد في الإعلان نجاة له من عبء الديون.

ينجح "بهجت" في الاختبارات ويقع اختيار "شمس" عليه، وتطلب منه أن يكون زواجهما صورياً بشرط أن تغدو العصمة في يدها، ومن ثم تجري عملية الإنجاب، وبعدها تطلقه، وتدفع المبلغ المتفق عليه على دفعات، وهذا ما قابله بالرفض في البداية، لكن الديون أجبرته على القبول لاحقاً.

تدور الأحداث، وتفشل محاولة الإنجاب ثلاث مرات، وإثر حدوث بعض المشاكل تضطر "شمس" للعيش في منزل "بهجت". عندئذ تقع البطلة في حب البطل ويتحول الزواج الصوري إلى زواج حقيقي. ولكن تكتشف الزوجة أن زوجها كان قد أخل بأحد بنود الاتفاق، ومفاده ألا يكون في حياة المتقدم أي علاقات نسائية، فتقوم بتطليقه...

وكالعادة، تأتي النهاية سعيدة، إذ تعود شمس لبهجت وتنجب منه طفلين.

الإثارة الحقيقية - التي تعد أهم عناصر العمل السينمائي - وما تتضمنه من محطات جذب وتشويق، انتهت في فيلم "بشتري راجل" لدى إعلان "شمس" عبر فيسبوك بحثها عن متبرع وبدء مرحلة الاختيار بين المتقدمين على طريقة طلاب الوظائف، رفم أن هذه النقطة في البناء الدرامي للسيناريو مجرد "تمهيد" لا بد أن تنطلق منه الأحداث وصولاً إلى "العقدة".

وعلى عكس ردود الأفعال المتنوعة التي أعقبت انتشار الفيديو الدعائي الذكي للفيلم، وكان من المتوقع أن تنعكس داخل العمل فيحدث الاصطدام مع التابوهات المتأصلة في المجتمع، على أن تتمثل مراحل التصارع من جوانب ثقافية ودينية ونفسية وسياسية أيضاً حتى نصل الأحداث إلى مرحلة "العقدة الكبرى"، وكان من الممكن أن تكون مرحلة الصدام نفسها هي الخاتمة الفعلية التي تتفجر معها عناصر القضية في "نهاية مفتوحة" تأخذنا إلى مواجهة حقيقية مع أنفسنا ومع المجتمع وقضاياه، أو نصل من خلالها إلى مجموعة نقاط تضعنا على طريق المعالجة في قالب فني مبدع.

لكن هذا كله لم يحصل، فسقط الفيلم في السهولة والارتجال والخفة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
كلمات مفتاحية
مدونة مصر

التعليقات