إليكِ أمي... واقع المرأة المؤلم في بلداننا

إليكِ أمي... واقع المرأة المؤلم في بلداننا

شهد شهر آذار مناسبتين يُحتفل بهما عالمياً وإقليمياً. الأولى يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار، والثانية عيد الأم بحسب العادة في منطقة الشرق الأوسط في الحادي والعشرين من الشهر نفسه، والتي تتزامن أيضاً مع الانكسار الربيعي وعيد النيروز في بلاد فارس وما حولها.

هذه الاحتفالات وما تحمله من اعتبارات معنوية أو رمزية في منطقتنا التي ترزح تحت وطأة الحروب والنزاعات والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي لا تعرف نهاية، تجعلني أتمعن أكثر في وضع المرأة في بلداننا.

ومع درايتي الكاملة بأن وضع المرأة يختلف من بلد لآخر في منطقة الشرق الأوسط، فإن الأمور المشتركة بين هذه البلدان متعددة جداً.

فبدءاً من وجود حالات "جرائم الشرف"، مروراً بعدم السماح للمرأة بقيادة السيارة، ومن عدم قدرتها على السفر بدون إذن أو "محرم"، وصولاً إلى اعتبار شهادتها تعادل "نصف شهادة الرجل" ناهيك بقانون الإرث الذي يعطي الرجل ضعفَيْ إرث المرأة. كل هذه الأمور وغيرها تدفعني للتوقف لحظةً والتأمّل في وضع المرأة.

فمنذ بدأتُ عملي مع منظمة أطباء بلا حدود عام 2008، زرت عدة مشاريع للمنظمة مخصصة للأمراض النسائية والتوليد وما شابه في بضع بلدان في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا كالأردن والعراق وجنوب السودان. هذه التجربة الحية جعلتني أفكر ملياً في هؤلاء النسوة بشكل عام، وفي أمي بشكل خاص.

فكلمة مهاجر أو لاجئ أصبحت مألوفة جداً تتناهى إلى مسامعنا كل يوم، حتى أنها لم تعد تؤثر فينا.

مهاجر. لاجئ. نازح. كلمات أصبح معناها يثير الشك والريبة لدى الكثيرين.

أحاول أن أتمالك نفسي وأنا أستمع للبعض عن مدى امتعاضهم بشأن اللاجئين وكيف أن "نسبة الجريمة ازدادت بسببهم".

ولكن أتوقف قليلاً، وأتذكر بأن أمي كانت لاجئة. أجبرها عنف الحرب على ترك منزلها وهي لا تتعدى الخامسة من عمرها. أسترجع كلامها عن رحلتها مع عائلتها من مدينة إلى أخرى بحثاً عن بر الأمان، وكيف ساقها القدر بعيداً عن عائلتها لتسافر مرة وتلتحق بمدرسة داخلية وهي في سن المراهقة. وكيف جاهدت وتفوقت لكي تشق طريقها بنفسها. وأتذكر كيف روت لي عن رحلتها بعد وفاة والديها وعن رحلتها بحثاً عن عمل في إحدى دول الخليج، وكيف التقت أبي، وتزوجت منه... إلخ.

أسترجع ما يقوله البعض عن اللاجئين بصورة سلبية ونمطية، وأتذكر أمي وهي تروي أن الكلام نفسه كان يقال عنهم في تلك المرحلة من حياتها.

ثم أتساءل: هل ذنب اللاجئين أنهم الحلقة الأضعف؟ هل هم مذنبون بأن أوطانهم قد سُلبت منهم؟ ما الخطيئة التي اقترفها اللاجئ لكي يُزّج به في قفص الاتهام سواء إقليمياً أو عالمياً؟ ألا يكفيه ما عاناه من موت وحرب وذل وعنف وظلم وتشتت وغربة؟

ذنبهم الوحيد أنهم الحلقة الأضعف

والنساء هنّ الفئة الأضعف من هذه الحلقة الأضعف التي يحاول البعض إلقاء فشل أنظمة دولهم الاقتصادية والأمنية عليها.

وهنا تدور في مخيلتي أمي، وهي في منتصف عقدها السابع، وقد أجهدها المرض وأنهكتها السنون. ولكنها رغم ذلك لم تزل قوية شامخة في ظل المحن التي مرت بها شخصياً، والتي اختبرتها المنطقة برمتها.

أتذكر أمي ولا يسعني إلا أن أنحني لها إجلالاً، ليس فقط لأنها أمي، ولكن لأنها ككثير من نساء المنطقة عانين  وما زلن يعانين التهميش والاضطهاد، ومع ذلك يملكن  القدرة على بعث السعادة والشعور بالطمأنينة في نفوس من حولهن.

عانين الذل، وما زلن  يعانين القهر، ومع ذلك قلوبهنّ لم تمتلئ إلا بالحب والعطاء.

أعتقد أن علينا الاحتفال بعيد الأم والمرأة كل يوم. فقد علّمتنا الحياة بأن كل مؤنث معطاء. فالشمس، التي تمدنا بالنور والطاقة، مؤنثة. والأرض بكل ما فيها من خيرات، مؤنثة. والمشاعر بكل ما لها من معنى، أيضاً مؤنثة.

وأسترجع السنوات الماضية خلال عملي مع أطباء بلا حدود، وأتذكر كل الصعاب التي مررت بها، والمشاريع التي زرتها، والنساء اللواتي أتين إلى عيادات المنظمة أو عملن فيها من طبيبات و ممرضات، وأتخيل كيف استطعن تحمّل كل ذلك!

فطوبى لنسائنا، وطوبى لأمي، ملهمتي.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
هاني دويك

يعمل هاني دويك مدير للعلاقات الصحفية والإعلامية لدى منظمة أطباء بلا حدود في مكتبها الإقليمي في بيروت. وقد انضم للمنظمة عام 2008 و عمل في الأردن والعراق و جنوب السودان و حاليا في لبنان. حاصل على درجة الماجستير في الدراسات المتقدمة في العمل الإنساني من جامعة جنيف في سويسرا.

التعليقات