مشهد جديد من مسرحية اسمها "البرلمان اللبناني"

مشهد جديد من مسرحية اسمها "البرلمان اللبناني"

شعبٌ "لا يُعجبه العجب"، مواطنون جاحدون لا يقدّرون جهود نواب الأمة، مراهقون على مواقع التواصل الإجتماعي يجيّشون الرأي العام بحملاتٍ موجّهة تستهدف سلسلة الرتب والرواتب التي سهر النواب لياليَ لإقرارها. 

غضب النائب إبراهيم كنعان مبرر، وسؤال "البوب" عن مصادر إيراداتٍ أخرى غير الضرائب منطقي، الموازنة في عجز، والشعب ينظّر فقط.

مصادر التمويل معروفة يا بوب... أنت من دلّنا عليها

250 ألف مليار ليرة بلا حسابات، خلاصة وصل إليها تكتّل التغيير والإصلاح في العام 2013، بعد جردة - قطع حساب مالي لنفقات الدولة منذ العام 1994 وصولاً للعام 2010. النائب إبراهيم كنعان هو من أجرى التحقيق ونشر على إثره التكتّل كتاباً سمّاه "الإبراء المستحيل". قدم الكتاب دلائل على الفساد وهدر المليارات بالأرقام، لكنه سرعان ما أخفي، وأصبح إيجاده ضرباً من المستحيل.

دارت الأيام، وتحوّل كنعان من نائبٍ عادي، لنائبٍ تابعٍ لتكتل رئيس الجمهورية. طريق المحاسبة يُفترض بها أن تكون مفتوحةً أمام كنعان وتكتّله، أي أن محاربة الهدر والفساد صارت تحصيلاً حاصلاً وعلى اللبنانيين التّسليم بذلك. 

كنعان أدرى الناس بالهدر والفساد والتهرب الضريبي الحاصل، سقطت على عينيه غشاوة فجأة، وبدل أن يقوم بواجبه كمشرّعٍ ومحاسب، بغض النظر عن كونه ممدّداً لنفسه، توجّه للمواطنين في جلسة إقرار سلسلة الرتب والرواتب، كما إقرار الضرائب، سائلاً عن بديلٍ للتمويل، غير الضرائب، ومطلقاً وعيداً وتهويلاً، يغطي فيهما تطيير السلسلة وفيلم الفساد الطّويل.

بوب ليس وحيداً، يشاركه في المسرحية معظم النواب ولو بأدوارٍ متفاوتة، يعرفون جيداً أن السلسلة يمكن أن تموّل من ضرائب تُفرض على أرباح القطاع المصرفي الذي يهيمن على الاقتصاد، لكنه يعون في الوقت ذاته، أن أي ضريبةٍ على المصارف تعني خسارة معظمهم لمقعده، أو لأرباحٍ في مصارف يملكها أو يُعتبر شريكاً فيها.

لا داعي للمسّ بالقطاع المصرفي، تحت ذريعة "الحفاظ على العصب الاقتصادي"، العصب الإقتصادي التابع لهم لا للوطن. 

كان بإمكان محتلّي البرلمان فرض ضرائب على الأملاك البحرية، والتي تعود أيضاً لمعظمهم، أو على نادي الغولف الذي يحتلّ مساحةً لا يُستهان بها من مدخل بيروت الجنوبي، وبإيجارٍ سنوي قدره 1100 ليرة.

كان بالإمكان فرض ضرائب أو بدل إيجارٍ منطقي على سوليدير، التي تستأجر المتر الواحد في وسط بيروت بقرابة 1500 ليرة، هذه المبالغ لا تكفي الفقير لشراء منقوشةٍ صباحاً، أو التّنقل بسيارات الأجرة من شارعٍ إلى آخر.

أقوال جاهزة

شارك غردسأل النائب اللبناني ابراهيم كنعان عن مصادر لإيرادات جديدة تموّل سلسلة الرتب والرواتب غير الضرائب.. إليكم بعضها

شارك غردمجلس النواب اللبناني يقرّ ضرائب جديدة.. ستدفع ضريبةً إذا فكّرت بالسفر، وربما تدفع ضريبة على التنفس لاحقاً

يمكن للعزيز بوب والرفاق إيجاد إيراداتٍ من ملاحقة التهرّب الضريبي، ونتحدّث هنا عن 4.2 مليار، ويمكنهم أيضاً مراقبة الهدر الحاصل باستئجار مبانٍ وطوابق يُفترض أن تعود لدوائر حكومية، وبمبالغ تصل لملايين الدولارات سنوياً، مع أن الدولة قادرة على إنشاء مبانيها الخاصة. بوجود الصفقات والتنفيعات، لا حاجة للمراقبة.

يمكن للمجلس النيابي أن يجد ضالّته من التمويل في المرفأ والمطار وعنابر الجمارك، وفي الدوائر العقارية وفي الإستملاكات الأجنبية والاستثمارات الكبيرة، مع أن غالبيتها تعود لأصدقاء لهم، أي لهم فيها حصّة. تمويل السلسلة واضح المصادر لمن يريد أن يرى.

القانون يا شباب... نسيتموه؟

بدل تأسيس خطّةٍ اقتصاديةٍ شاملة، ودعم قطاعاتٍ مهمّشة كالزراعة والصناعة، تلجأ الدولة لحلول اقتصادية آنية، لا يمكن وصفها بالحلول أصلاً، قائمة على الاستدانة وفرض زياداتٍ ضريبية تعجّل في استجلاب السيناريو اليوناني إلى لبنان، وتساهم في القضاء على ما تبقّى من طبقة متوسّطة تكافح لتبقى، وإن سافرت، فسيدفع أبناؤها رسوماً وضرائب على السفر.

من يدري، لربما في الجولة الضرائبية المقبلة، سنسدّد ضرائب على الهواء الذي نتنفّسه.

يواجه الشعب الزيادات الضريبية متناسياً واقعاً نجح المجلس الممدّد لنفسه في تثبيته. المشكلة الأساس تكمن في شرعية المجلس، فكيف الحال بقراراته؟

يمارس النواب مهماتهم المعتادةَ متجاهلين القانون. المادة 81 من الدستور اللبناني، التي أشار إليها الوزير السّابق زياد بارود، تنصّ بما لا يحمل اللبس على التالي: "لا يجوز إحداث ضريبة ما وجبايتها في الجمهورية اللبنانية إلا بموجب قانونٍ شامل تطبّق أحكامه على جميع الأراضي اللبنانية".

الضرائب أو أي تشريعٍ عدا قانون الانتخاب الجديد، بحسب بارود، تشريعٌ باطل لا أساس له دستورياً لأن المجلس مدّد لنفسه مرتين، وخسر التمثيل الشعبي الذي قد يرتكز عليها في إضفاء شرعيةٍ على أي قرارٍ من قراراته، ضرائبياً كان أم لا.

دعوة إلى التظاهر

بعد إقرار الدفعة الأولى من الضرائب، انتفض الشارع بتشجيعٍ من النائب سامي الجميل، ممارساً ضغطاً شعبياً على النواب أرغمهم على تأجيل الجلسات، ولو إنه أفضى إلى تطيير السلسلة، فخرجوا، كلٌّ يؤدي دوره المسرحي بإتقان، ولو أن جوائز الأوسكار كانت هذا الأسبوع، لحاز النواب جوائزها، ما عدا جائزة أفضل إخراج، لأن إخراج المسرحية كان سيئاً، أو أن الرأي العام اعتاد أكاذيب البرلمان فباتت مكشوفةً أمامه.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أحمد ياسين

صحافي ومدوّن لبناني شاب، حاصلٌ على عدّة جوائز في التّدوين، كما على لقب سفيرٍ لحقوق الإنسان من منظمة التّنمية البشرية في الأمم المتحدة. نشر في وسائل إعلامية لبنانية وعربية عدة، منها النّهار، الأخبار، وصحيفة العربي الجديد، قبل أن يتولّى رئاسة تحرير موقع "الحقيقة" الإلكتروني، ويبدأ عمله كمراسلٍ تلفزيوني ومعدّ مواد في قناة ال "LBCI". ولياسين أيضاً مساهمة كمنتج لأفلام وثائقية، عن فيلمه "نوستالجيا"، الذي يتحدّث عن مصوّري الحرب الأهلية اللبنانية وتجاربهم. @Lobnene_Blog

التعليقات