ليت جدّتي كانت تقود العالم

ليت جدّتي كانت تقود العالم

الزمان: منذ عام 1985 إلى الآن.

المكان: حي بولاق أبو العلا بوسط القاهرة.

عرفتُها كبيرة كما هي الآن، لا تختلف قيد أنملة. لا تزيد تجاعيدها ولا تقل. ولم يختلف "طقم الأسنان" الذي تغسله بالفرشاة في كل مساء وتبيته في الكوب المخصص له. هي هي نفسها السيدة المُسنة المتلحفة دائمًا بالسواد، والتي تستيقظ بعد الفجر وتنزل إلى السوق وقت الضحى لتشتري خضرواتها طازجةً ثم تعود إلى التنظيف والطهو. هكذا هن الجدات في كل البيوت وكل الأحياء وكل الأزمنة.

كنَّا أحفاداً صغاراً كُثُراً. نجتمع وأمهاتنا في بيت الجد والجدة (بيت العيلة) كل خميس. كانت الأمهات تقوم بأدوار مختلفة في الاحتفالية الأسبوعية، بينما كانت الجدة تتفرغ لنا تماماً.

تطعمنا بيديها الأوز والدجاج، تلاعبنا وتغني لنا أغنيات طفولتها، تحكي لنا الحكايات الغريبة التي تجحظ لها عيوننا وتفغر لها أفواهنا. تعاقبنا على سوء الأدب بكل قوة وحزم، ثم تدافع عنا وتخبئنا خلف جلبابها إذا حاولت إحدى الأمهات عقابنا على شيء ما. تفتح لنا بيتها كي نمارس كل الممنوعات التي نُحرم منها طوال الأسبوع في بيوتنا، ثم ترغمنا على أن نحترم ممنوعاتها الخاصة فلا نجرؤ على خرقها.

تقوم جدتي بجدارة بمهمة "شيخ الحارة"، التي كان متعارف عليها في القرن الماضي. تقوم بها دون أن تتطلب هي ذلك ودون أن يكلفها أحد. تجد نفسها عن غير رغبة منها ملاذ الشاكين من شيء ما. تتدخل للصلح بين طرفي نزاع يحتكمان إليها فلا تستطيع أن تردهما. تجد بيتها وقد أصبح "استراحة" لمن جاء من سفر بعيد يقصد أحد الجيران فلم يجده، يجلس عندها قليلاً، يلتقط أنفاسه ثم يغادر إلى حيث أتى.

هذه السيدة البيضاء صاحبة التجاعيد المنمقة المرسومة بعناية كانت أماً قوية حين كانت تدير أسرة صغيرة من زوج وستة أبناء، ثم أصبحت جدة تجمع لديها ست أسر، وتقف هي على رأس شجرة العائلة. وهي تدير الآن مجموعة من الأنشطة الخيرية و"الجمعيات" بين سكان شارعها الصغير.

هي ليست جمعيات بمعنى المؤسسات. إنما "الجمعية المالية" التي تضم مجموعة أفراد يجمعون مبلغاً مالياً ثابتاً، أول كل شهر يدفعونه لأحدهم. تدير جدتي الجمعية بمنهج وسياسة. أول الشهر المقبل سيكون بداية المدارس، إذاً فلانة صاحبة الأطفال الكُثُر أولى بالمبلغ. الشهر التالي هو شهر العملية الجراحية للحاج فلان، إذاً فليقبض الجمعية آنذاك... وهكذا... كل شهر يفرض عليها مَنْ الذي يقبض الجمعية فيه.

أقوال جاهزة

شارك غردهكذا هن الجدات في كل الأماكن وكل الأزمنة وكل الأحياء...

شارك غردكيف ستعاقب جدتي الدول المخالفة لو حكمت العالم؟ أي بديل عن الضرب بالشبشب ستستخدم؟

جدتي الواقعة حتى أذنيها في حب الملك فاروق، والتي كانت ترى موكبه - وهي طفلة - يمر أمام بيتها، تتحدث بحنين الطفلة الواقفة آنذاك في بلكونتها والمنبهرة بهيبة الملك وقوته وإطلالته. ولا تفتأ تتذكره "فاروق... هي مصر شافت ولا هتشوف زي فاروق!". (لماذا يحن المصريون إلى الملك فاروق؟)

لم تضع تلك السيدة الناعمة الملمس مساحيق التجميل على وجهها يوماً. تدهن جلدها الأملس بعصير الليمون وشعرها بزيت الزيتون وتأكل طعامها بالسمن البلدي وتشرب اللبن البقري الصابح. لا تشتري شيئاً مستورداً أو طعاماً لا تعرف مصدره. تذكرني دائماً بـ"فاطمة تعلبة" بطلة مسلسل الوتد وهي سيدة الأسرة القوية الصلبة التي "الكلمة كلمتها والشورة شورتها"، والتي تقول عنها أغنية المسلسل: "متكسرتش من الزمان متأثرتش من الهدد والمطحنة، ومهما تتخبط مع العايشين حافظت على الهيبة في زمان بيذل".

حينما قابلت جدتي قبل أسبوعين قفز إلى ذهني ذلك السؤال الهزلي: ماذا لو كانت جدتي تقود العالم؟ ماذا لو سيَّرت هذه السيدة المخضرمة شؤون البلاد والعباد كما تسيِّر شؤون عائلتها الكبيرة والعائلات المجاورة؟ لم أتوقف كثيراً لأبحث عن إجابات منطقية جادة، فالإجابات الهزلية كانت هي الأقرب إلى الحقيقة.

أولاً

ستقيم جدتي عدة جمعيات. جمعيات داخلية يشترك بها جميع المواطنين، وجمعيات خارجية بين الدول. وكما هي في بيتها لا تأكل المستورد ولا تعرف إلا "الفراخ البلدي واللحم الضاني والملابس المصنوعة من القطن المصري" فإن الأطعمة والمنتجات المستوردة لن تعرف طريقها إلى جمركنا. وسنحيا بمبدأ "عيش عيشة أهلك" و"اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفهوش".

ثانياً

ستتعرض كثير من الدول لعقاب جدتي إن لم يلتزموا بالآداب والأعراف التي ستمليها عليهم. فمثلاً إن كان على أحدهم توريد كمية من الأرز إلى دولة أخرى في مقابل شحنة دواء ولم تقم إحدى الدولتين بتنفيذ الأوامر، فستكون إذ ذاك النتائج وخيمة. لكني في الحقيقة لا يمكنني مد الخط على استقامته كي أتخيل المعادل الموضوعي للضرب "بالشبشب" في قاموس جدتي السياسي. إذاً فلنترك لها تحديد هذا الأمر.

ثالثاً

ستجبرنا على سماع الحواديت. وحين لن تتسع الحواديت لكل دروسها التي تريد تلقينها لنا، ستجعل قراءة التاريخ مدخلها لفهم المستقبل وحسن تسييره. فحواديت جدتي عن الماضي تحمل دروساً للمستقبل. وبدلاً من الأميرة النائمة وسندريلا والجميلة والوحش ستجد العِبَر في قصص عادٍ وثمود وحضارات ما وراء النهر وما قبل التأريخ.

أوقن أن جدتي تمتلك من الحكمة والقوة والدأب والسيطرة والتفاني ما يجعلها وريثة مثالية لسيدنا نوح وذي القرنين، وهذا ما يجعلها تمسك قبضة العالم بيدها اليمنى، وباليسرى تقلب وعاءً على النار لتطعمه لأحد أحفادها.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
هبة أحمد حسب

صحفية مصرية ومترجمة، عملت مديرة المكتب الإعلامي لساقية الصاوي، وعملت محررة لموقع Mbc.net و The Cairopost وحاليًا أكتب لموقع "نون" و"عابر" .. لي مجموعة قصصية في الأسواق اسمها "جامع البنات"، عملت مصححة لغوية واشتركت في وضع المنهج الدراسي الخاص بمادة اللغة العربية للصف الأول الابتدائي، منهج موازٍ كانت تقوم الساقية بإعداده

كلمات مفتاحية
مدونة مصر

التعليقات