الزواج المدني في لبنان: هل من حلول بديلة لسطوة رجال الدين؟

الزواج المدني في لبنان: هل من حلول بديلة لسطوة رجال الدين؟

شرع الله وسرّه يحكمان المجتمع اللبناني.

مقدّمة الدستور اللبناني واضحة تنص على مدنية الدولة، أي أن المعيار الديني الطائفي لا وزن له قانونياً، أما عملياً، فالسلطة الدينية تتحكّم بمفاصل الحياة اليومية لأفراد المجتمع على صعيد الأحوال الشخصية.

لكل طائفة في لبنان قوانينها الخاصة ومحاكمها الروحية والشرعية والمذهبية، والزواج بالمعيار الديني عبارة عن عقد ثنائي علني ذي صفة دينية، يتفّق فيه رجل وإمرأة على الحياة معاً بغية تكوين أسرة.

يتميّز الزواج عن غيره من العقود بأن مفعوله لا ينحصر بطرفيه، ويعتبر النطاق الوحيد للعلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة تحت رعاية الشرائع السماوية. بالتالي، يشكّل الزواج المدني، برأي معارضيه، خطراً على قدسية الزواج الديني وأهدافه، ولو أن معظم الدول جعلت من الزواج المدني إلزامياً، لكن لبنان لا يزال عاجزاً عن تشريعه ولو اختيارياً.

قضية ساخنة

في العام 1998، طرح الزواج المدني كقضيةٍ ساخنة، وأحدث جدلاً كان بطله من طرح القضية، رئيس الجمهورية الراحل الياس الهراوي. ومع أن القانون طرح على مجلس الوزراء في العام 1999، وحاز موافقة بالأغلبية، ليتم اعتماده بالتالي، إلا أنه حُجب وتم تجميده بعد ضغوط مورست على رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، حالت دون توقيعه المشروع حينها، واعتذر موجزاً موقفه بالقول "إن ظروف لبنان لا تسمح الآن بذلك".

تصريح الحريري منذ أكثر من 15 سنة لا يختلف عن الواقع اللبناني اليوم. حاول وزراء الداخلية، زياد بارود بتشريعه حجب المذهب عن سجلات القيد، ومروان شربل بتمريره تعديلاً على المادة التاسعة يسمح فيها بتسجيل الزواج المدني في لبنان، لكن أجهضت محاولاتهما بمجرّد وصول وزير الداخلية الحالي نهاد المشنوق للوزارة.

أقوال جاهزة

شارك غردلبنان لا يزال عاجزاً عن تشريع الزواج المدني ولو اختيارياً.. هل من خلاف على سطوة السلطة الدينية هنا؟

شارك غردلا يحق لأي إنسان أن يحاكم إنساناً آخر، لا أن يكفره ولا أن يهدده بنار ويعده بجنة يفصلها هو على مقاس أفكاره

كان المشنوق مؤيّداً للزواج المدني الاختياري، وفور وصوله لمركزه، أصبحت قبرص للراغبين بالزواج أقرب إليهم من أي دائرة نفوسٍ في لبنان، لأن الوزير لن يوقّع على زواجهم ولن يشرّعه.

أكثر من زواجٍ مدني... ولا تشريع

مضى قرابة الخمس سنواتٍ على تسجيل وزير الداخلية السباق مروان شربل في 10 تشرين الثاني 2012 أول عقد زواجٍ مدني.

العقد الموقّع يعدّ يتيماً. تعترف وزارة "المشنوق" بـ13 عقد زواجٍ مدني دون تثبيت رسمي في السجلات بعد، بحجّة غياب القانون والتشريع، بينما العدد أكبر من ذلك، يصل لـ50 عقد زواجٍ تنتظر التعامل معها بإنسانية، في بلدٍ وقّع على شرعة حقوق الإنسان.

يخالف عدم تسجيل الزيجات أساس الدستور اللبناني، لأنه يتعدّى على مبدأ الحق في حرية المعتقد وحرية اعتناق دين معيّن أو عدم اعتناق أي دين أو معتقد، ويشمل رفض التسجيل تعدياً على المادة 25 من القرار الرقم 60 ل.ر. (13/3/1936) "الذي يعترف بوجود لبنانيين لا ينتمون إلى أي الطوائف المعترف بها، وأن من يشطب قيده الطائفي في سجلات النفوس ينتمي إلى الفئة المذكورة، وأن من حق هؤلاء اللبنانيين التمتع بحقوقهم كافة على قدم المساواة مع سائر المواطنين، ومن هذه الحقوق، الحق بالزواج، وأن زواج هؤلاء الأشخاص يخضع للقانون المدني".

يمكن تثبيت الزواج في قبرص، لكن التبعات ستتحملها العائلة لاحقاً، فيعاني المتزوجون مدنياً من عدم قدرتهم على تسجيل أطفالهم، كما قد يتعرضون لعراقيل في حال قرروا السفر إلى بلدان تشترط وجود عقد زواجٍ فعلي مثبت، كدول الخليج مثلاً.

لا بد من إيجاد حلول قانونية وعملية للمشاكل المرتبطة بالعلاقات الزوجية من أجل تحقيق الاستقرار والسلام العائلي الذي يشكّل أساس الاستقرار والسلام في المجتمع، وذلك إما بوضع قانون خاص بالزواج المدني، وإما بتوحيد الحلول القضائية، إذ لا يجوز أن تصدر عدة أحكام قضائية مختلفة كلياً في وضع حلول متناقضة للمشاكل ذاتها المتعلقة بالعلاقات الزوجية الناجمة عن النزاعات المرتبطة بعقد الزواج المدني. كما لا يجوز أن يتم الاعتراف بالزواج المدني المعقود خارج لبنان ويجري تسجيله في قيود النفوس وسجلات الأحوال الشخصية اللبنانية، ويُحظّر عقد هذا الزواج على الأراضي اللبنانية.

رجال الدين والخوف على "الهيكل"

تسجّل قبرص سنوياً نحو 850 عقد زواج مدني للبنانيين فرّوا من ظلم القانون، فنصف ساعةٍ من بيروت للارنكا، يكفي لتفادي تكاليف باهظةٍ قد يتقاضاها رجال الدّين.

من الطبيعي أن ينتفض المسؤولون الدينيون على أي تشريعٍ ولو كان اختيارياً، قد يشرّع ما قد يحرمهم من إيراداتٍ ماديةٍ قد تصل للألف دولارٍ للزيجة الواحدة في بعض الأحيان.

لرجال الدين أسلحتهم الخاصة، فمطران عكار وتوابعها للروم الأرثوذكس مثلاً، باسيليوس منصور طلب من الكهنة التابعين لرعيته في لبنان وسوريا وجوب التوقف عن عمادة الأطفال الذي يولدون من أبوين متزوجين زواجاً مدنياً، كون هذا الزواج يتعارض بنظره مع تعاليم الكنيسة، أي بالتالي حرمان الأطفال من اختيار توجّههم الديني، ومنعهم من أن يكونوا مسيحيين، وتكفيرهم ضمنياً.

تعميم باسيليوس لا يختلف عن تصريح المفتي السابق، محمد رشيد قباني، الذي، ومعه طاقم من رجال الدّين والقضاة الشرعيين من الطائفة الإسلامية، أفتى بوصف المتزوج مدنياً والمشرّع لقانون الزواج المدني، أو أي قانونٍ للأحوال الشخصية قد يحرمهم امتيازاتهم المادية والسلطوية، بالمرتد، والمتزوج بالفاسق المنحل الخارج عن الدين، لا يصلّى عليه عند وفاته ولا يدفن في مقابر المسلمين حتى.

يواجهون "الحب" بالحرب والتكفير

اعتادت المجتمعات البدائية، كالقبائل والعشائر مثلاً، بغياب القوانين والدساتير، حلّ خلافاتها بالمصاهرة والزيجات المختلطة. لبنان يمتاز بفسيفساء طوائفية، وتسكنه 18 طائفة تجتمع في هويةٍ واحدة، وتختلف في معظم القوانين المجتمعية التطبيقية، ولو أنها تتفق على رفض الزواج المدني.

تشريع الزواج المدني قد يفتح الباب أمام التلاقي بين مختلف الشرائح اللبنانية الطوائفية، وقد يشكل ضربةً للطائفية، ستمتد مفاعيلها لتشمل الطبقة السياسية الحاكمة التي تتغذى على الخلاف الطّائفي.

لا يحق لأي إنسانٍ اليوم أن يحاكم إنساناً آخر، لا أن يكفّره ولا أن يهدده بنارٍ ويعده بجنةٍ يفصلها هو على مقاس أفكاره.

من يرضى بتزويج القاصرات، لا يملك الأحقية بحجب زيجة أي إنسانٍ آخر لأنها لا تناسبه، تفصيله سرّ الزواج أو وجهه الشرعي هو تصغيرٌ للدين وتعاليمه، وإدخالٌ لأسسه في تفاصيل يكمن الشيطان أساساً فيها.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أحمد ياسين

صحافي ومدوّن لبناني شاب، حاصلٌ على عدّة جوائز في التّدوين، كما على لقب سفيرٍ لحقوق الإنسان من منظمة التّنمية البشرية في الأمم المتحدة. نشر في وسائل إعلامية لبنانية وعربية عدة، منها النّهار، الأخبار، وصحيفة العربي الجديد، قبل أن يتولّى رئاسة تحرير موقع "الحقيقة" الإلكتروني، ويبدأ عمله كمراسلٍ تلفزيوني ومعدّ مواد في قناة ال "LBCI". ولياسين أيضاً مساهمة كمنتج لأفلام وثائقية، عن فيلمه "نوستالجيا"، الذي يتحدّث عن مصوّري الحرب الأهلية اللبنانية وتجاربهم. @Lobnene_Blog

كلمات مفتاحية
لبنان مدونة

التعليقات