كريمة مختار.. العيال "اتيتمت"

كريمة مختار.. العيال "اتيتمت"

تيتم المصري مرتين.

واحدة لدى وفاة وأمه، والثانية لدى وفاة كريمة مختار.

منذ ساعات، فاضت روح الفنانة الكبيرة كريمة مختار لبارئها، لتترك في نفوس المصريين غصة موجعة وفراغًا هائلًا، وليعم يُتمٌ موحش في نفوسنا جميعا.

ربما لم يكن حضورها طاغيًا على الشاشة في السنوات الأخيرة، ربما لم نكن نتابع أخبارها، لكنها كانت في بيتها –كما أمهاتنا- أمنًا وأمانًا من كل شيء وإن لم تفعل شيئًا.

هل أخاف الاحتباس الحراري وداعش والتسريبات الإشعاعية والانهيار الاقتصادي وندرة المياه والجن الأزرق؟ لا.. فماما كريمة معنا، وهي تدرك كيف تحمينا وتتدبر أمورنا حين يلزم الأمر.

(2)

على إثر انتشار خبر الوفاة، تصدر هاشتاج يحمل اسمها (#كريمة_مختار) قائمة الموضوعات الأكثر تغريدًا لدى المصريين على تويتر. تلاه النعت الصادق الذي صاحب وصفها بشكل عفوي، أنها "أم المصريين".

 

 

مختار التي غادرت عالمنا عن 82 عامًا، هي آخر أمهات الدراما المصرية. تعد أحد أبرز ممثلتين جسدتا دور الأم في مسلسلاتنا وأفلامنا. الأولى هي الراحلة العملاقة "فردوس محمد" والتي يرتبط بها الجيل الذي نشأ في كنف الأفلام "الأبيض وأسود"، والثانية هي كريمة مختار التي تميزت في دور الأم إلى حد مصادرته لحسابها شخصيًا تقريبًا.

فبالرغم من تألق هدى سلطان وسناء جميل في أدوار الأمومة، وبالرغم من إقدام فنانات عملاقات على أداء هذا الدور ببراعة، إلا أن كريمة مختار قد سلكت لنفسها طريقًا مع المصريين ربما لا يقدر عليه أحد بعدها.

 

 

في طفولتي، وعندما كنت أقترف فعلة ما منهيًا عنها، كنت أود ان أجري لأختبيء في حضن "ماما كريمة"، هذه السيدة الممتلئة التي تتسامح مع أخطاء أبنائها على الشاشة دائماً.

في الأغلب ستسامحني على فعلتي، كيف لا وهي أم المشاغبين جميعًا على الشاشة؟ ألن يمتد هذا إلى الحقيقة؟

ربما تطعمني كما كانت تطعم عاطف (يونس شلبي) في العيال كبرت، وربما تحميني كما كانت تحمي سلطان (سعيد صالح) أو تنحاز لي وتدافع عني كما كانت تفعل مع (كمال) أحمد زكي.

 

لابد أنني لديها كما زيكو (عادل إمام) وكيمو (إكرامي).. والأمهات قطعًا (هكذا نوهم نفسنا حين نخالف تعليماتهن) كلهن ككريمة مختار.. سيسامحن في النهاية!

 

(3)

في أواخر شهر رمضان في العام 2007، كان الجميع يتابع مسلسل "يتربى في عزو" الذي تجسد فيه مختار دور أم الفنان العملاق يحيى الفخراني، والذي يقوم بشخصية رجل ستيني مدلل ولاهٍ ويستمد من حنان أمه مبرراً للاستهتار والمضي قدما في نزواته.

كان المسلسل كوميدياً، وفجأة ماتت أم "حمادة عزو" في مشهد استعان فيه الفخراني بقدر هائل من مواهبه التمثيلية، بينما اكتفت مختار بالاستلقاء في سريرها ليبكيها معه المشاهدون.

 

أذكر الوجوم الذي اجتاح الوجوه، والأحاديث التليفونية بين الأقارب في البيوت والمارة في الطرق والراكبين في المواصلات عن وفاة "ماما نونا".

يتحدث الجميع عن وفاة هذه الشخصية وكأن حزناً ومشاعر مضطربة تشاركها عدد هائل من الغرباء تجمعهم شاشة ومحبة هذه الشخصية.

في الليلة التالية استضافها نجلها الإعلامي، معتز الدمرداش، في برنامجه اليومي على إحدى المحطات الفضائيات وكان الجميع بانتظار الحلقة.

ربما كان الفضول دافعًا لرؤية "ماما نونا" على الحقيقة وهي تعلق على دورها في هذا المسلسل، وربما كان الحب عمومًا وراء جلوسي وأسرتي لنشاهد "ماما كريمة" وهي تتحدث. لكن الأكيد أن كثيرين جلسوا أمام الشاشة ليتأكدوا أنها حية لم تمت!

بالله يا ماما كريمة كيف أقنعتينا، وأنت نائمة مكانك فحسب، أنك متِ وأننا من بعدك صرنا نسيًا منسيًا؟

يستقبلها نجلها استقبالا استثنائيا في الاستوديو، يتقدم نحوها ويقبل يديها، بينما في الخلفية موسيقى تصويرية مؤثرة، وقلوبنا لدى الحناجر بلغت. أهي حيةٌ أم أن الله ردها من قبرها كرامة للمصريين؟

تحدثت مختار يومها عن صرامتها في تربية الأولاد، وهي صدمة لنا نحن محبيها الصغار. بدت أماً منضبطة لا لهو لديها ولا اعوجاج. أذكر جيداً سعادتنا لوجودها بيننا على قيد الحياة.

اليوم، جاءت النهاية بخبر كئيب بثته وكالة الأنباء المصرية الرسمية بوفاتها.

أتأمل الأمر وأجده منطقيًا جدًا، فمثل هذه الوفاة لاتمثل حدثًا هامشيًا تبثه محطة أو تنشره صحيفة، بل حدث يتعلق بمصر كلها، ولا ينبغي أن يجيء خارج الوكالة الرسمية.

كأن مصر تنعي كريمة إلى نفسها.

يصيبني شعورٌ هائل باليتم، وأُهرع لتلك الحلقة التي استضافها فيها نجلها معتز الدمرداش في تلك الليل.

أسأل نفسي: هل سأرى ماما كريمة على الشاشة مرة أخرى؟ هل سيردها الله من قبرها كرامة للمصريين كما حدث من قبل؟ أم أنه لكل أجل كتاب، وقد ماتت اليوم التي كنا نرحمك من أجلها كما في الحديث الشريف؟

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أحمد الدريني

صحافي مصري

التعليقات