أحمد راتب، لماذا لم يغرد خارج سرب "الزعيم"؟

أحمد راتب، لماذا لم يغرد خارج سرب "الزعيم"؟

مر رحيل الفنان أحمد راتب عابراً وسط سلسلة من الأحداث الصاخبة، ودون قدرة فعالة على لفت انتباه الفضاء العام في مصر إلى قيمة الرجل الحقيقية.

في جوهر الأمر، يتعذر أن نحدد على وجه الدقة مكامن قوة الرحلة الفنية لأحمد راتب. فالرجل كان مصدراً لحساب عادل إمام وشريكاً حاضراً في أعماله على مدار ثلاثين عاماً.

يتم توظيفه على هامش مشروعات "الزعيم"، وبما تستوجبه الحبكة الدرامية التي يتدخل فيها إلى أن صارت تنسج نفسها على مقاسه، والبقية "يخدمون" ظهوراته.

الأمر نفسه جرى ولكن بصورة أقل وطأة في حالة الفنان محمد صبحي، الذي ينفرد بالوعظ والفضيلة وسط حزمة من المحدودين، مقارنة بإداركه اللامتناهي والحبكات الدرامية التي تظهره على أنه عليمٌ فوق كل ذي علم.

فكأن الزعيم في زعامته، والمخلص الأخلاقي في أخلاقيته يحتاجان إلى مسخ أو تصغير بقية الممثلين جوارهما، درامياً وإنسانياً!

وهنا كانت مأساة أحمد راتب. فقد رضي أن يكون كطائر الزقاق يأكل فضلات الأكل من بين أنياب التمساح في علاقة تصفها كتب الأحياء بأنها من الطراز التكافلي. فلا التمساح يغلق فكيه على طائر الزقاق فيقتله، ولا طائر الزقزاق يتعفف عن فتات التمساح فيهلك جوعاً. كلاهما يحتاج للآخر وإن بدا الزقزاق مهيض الجناح مغلوباً على أمره.

ربما كان المدخل الذي اخترته للحديث عن راتب جدلياً كثيراً، إذ سيحاجج كثيرون بأن هناك من خُلقوا لأدوار البطولة وهناك من يبدعون في مساحات جانبية أخرى.

لكن في حالة راتب، سأنتصر للفرضية الكئيبة التي تتيح لنا مصمصة الشفاه وتوفر لنا مزيداً من التذمر تجاه الدنيا وقسمتها للغنائم بين الناس.

راتب كان يستحق ما هو أكثر

في فيلم واحدة بواحدة الذي لقي طريقه إلى دور العرض في الربع الأول من العام 1984، وحين كان راتب في مقتبل العمر، أوكل إليه دورٌ ينطوي على ملمح استثنائي يحتاج لممثل من طراز خاص جداً. إنه دور علي عبد الظاهر، الشاب الثري الذي ورث شركة ضخمة عن أبيه، ويوكل إدارتها لصديقه الناجح بفضل أساليبه الملتوية "صلاح"، منسحقاً هو فيه ومنزوياً وراء ألاعيبه كي تمضي سفينة العمل في بحر الحياة.

الشاب المنسحق في صديقه، منسحق انسحاقة كبرى تجاه أبيه المتوفى، لدرجة أنه يمسك عصا أبيه ولا يفرط فيها، ويخاف من الحياة الدنيا، الرجل الثاوي في قبره.

"عصا الأب" هي الصنم النفسي المختبىء بين طيات فيلم كوميدي (سنكتشف فيما بعد حين يتاح لنا اختراع الانترنت أنه مقتبس من فيلم أجنبي)، وفي كل مرة تلوح عصا الأب الميت بين يدي الشاب "علي" سيكون توظيف الإمساك بها مختلفاً عن المرة السابقة. فتارة هو يستند إليها، وتارة يمارس بها إشارات عدوانية تجاه محدثه، وتارة ثالثة يختبىء خلفها، ظانًا أنها أبوه نفسه الذي يلقي بظلاله وهيمنته عليه من العالم الأخروي.

أقوال جاهزة

شارك غردأحمد راتب، الممثل الذي كان يستحق ما هو أكثر، ولكنه ظل شريكاً هامشياً في مشاريع عادل إمام ومحاولاته تكريس "زعامته"

في كل مشهد ستبدو العصا دخيلة على "علي عبد الظاهر"، وسيبدو مثقلاً بها وهو يقطع أنفاسك من الضحك، إلى أن تحين لحظة المواجهة، فيكسرها "صلاح" الذي يقوم بدوره عادل إمام ليتهاوى علي عبد الظاهر كأن أباه هو الذي انكسر، غير مصدق ما جرى.

وسط الأحداث المضحكة، سنتبين أن هذا الصنم الذي راع صاحبه أنه تحطم، ربما كان إشارة لأصنام كثيرة داخل نفس كل منا، ورثناها من الأسلاف أو من المجتمع أو من صنع الذات!

كيف حطم راتب الصنم، وضحكنا جميعاً، وفي الوقت الذي فهمت فيه المغزى - أو أزعم ذلك - هالني ما رأيت. لم تكن عصا، لقد كانت صنماً!

الشخصية الضعيفة أو التابعة أو المغلوبة على أمرها التي أبدع راتب في تجسيدها في الأعمال التي جمعته مع عادل إمام، ربما كانت توائم قدراته الفذة على الظهور بكل هذه الهشاشة والطيبة واللين، لكنها كانت في مجملها ترسيخاً لزعامة الزعيم.

زعيم لا يريد إلا أن يبدو قوياً كاسحاً في الدراما وفي الدنيا، وكأنه يعاند الطبيعة ذاتها.

ربما لو فطن راتب مبكراً إلى أن مشهد كسر العصا في فيلم واحدة بواحدة كان بمثابة كسر صنم، لغرد خارج محبسه الاختياري في مشروع الزعيم، ليكسر هو عصا الزعيم وصنمه في الحقيقة.

لكن من قال إن الحياة لعبة عادلة؟

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أحمد الدريني

صحافي مصري

كلمات مفتاحية
مدونة مصر

التعليقات