ما الذي فعله محمود عبد العزيز بعينيه؟

ما الذي فعله محمود عبد العزيز بعينيه؟

هل دققت جيّدًا في عينَيْ محمود عبد العزيز؟

أشك!

ربما يمكننا الآن أن نلحظ الأمر بوضوح ونحن في حالة تأمل مكثف للعملاق الراحل محمود عبد العزيز ولمشروعه الضخم، فهنالك الآن متسع من الوقت لنقارن أعماله بعضها ببعض.

أتحدث عن عينيه، لأنه في كل عمل من أعماله وضع لمسة ما على عينيه تحديداً، تجعل لكل دور خصوصيته.

ففي انغلاقة العينين في فيلم "الكيت كات" حين كان يؤدي واحداً من أكثر أدواره شعبية "الشيخ حسني الكفيف"، وفي زيغانهما لدى هذا الانغلاق، كان عبد العزيز يفعل شيئاً غريباً بالمعايير البيولوجية ثم النفسية، حين يقنعك أنه بالفعل كفيف، لا مجرد ممثل بارع يقوم بدور الكفيف.

حتى اللحظة لا أفهم ما الذي فعله في عينيه حتى كانتا هكذا، لا هما مغلقتان ولا مفتوحتان ولا أي شيء يمكن أن تصفهما به غير أنه كان كفيفاً بالفعل!

لكنني أود تخطي دور الشيخ حسني والحالة التي بدت عليها عيناه فيه، لصالح دور "عبد الملك زرزور" في "إبراهيم الأبيض"، إذ كانتا عيناه تشعان وهجاً أخضر يليق بالرجل المهيمن على حي شعبي ويطل عليه من ربوة عالية، يراقبه فيحكمه، فكأنما عيناه تخترقان كل شيء.

وسأتجاوز عينيه هنا لصالح عينيه المتلصصتين الزائغتين الحائرتين المتألمتين في "رأفت الهجان"، واللتين تضيقان وتتسعان، تأرجحاً مع تقلبات رأفت أو ديفيد شارل سمحون أو ليفي مع كل مرحلة من مراحل المسلسل.

وأود أن أحط رحالي - مع عينيه - إلى حيث دوره في فيلم "سوق المتعة"، حين قام بتمثيل شخصية "أحمد حبيب"، الرجل الذي حصد السجن من عمره سنين طوالاً، دون أن يكون له ذنبٌ يذكر.

يخرج أحمد حبيب من السجن، وعيناه لا هما مغلقتان ولا هما مفتوحتان، بالعامية المصرية "مدغمشة"، ولا ندري تحديداً من الذي أشار عليه بهذه التفصيلة ما لم تكن من ابتكاره الذاتي الذي يتضح لنا الآن حين نلحظ أن "حالة" عينيه - تحديداً - لم تكونا متطابقتين تماماً في أدواره المختلفلة.

فكأنما كان يدرك أن الضيق والاتساع، الثبات والزيغان، السكون والاختراق، كلها تفاصيل من صميم رسم أي شخصية، وكان يعتني بهذه التفصيلة بنباهة لافتة.

بحسرة سجين مظلوم تم التنكيل به فانكسر، تبدو عينا "حبيب" مغلقتين بعض الشيء، فكأنه الخوف يحول بينهما وبين استطلاع الدنيا دون حذر.

فهنا - العينان - كسيرتان تتطلعان للحياة باختلاس متوجس من عقاب ما أو لوم ما.

ثم هما لا تواجهانك كمتفرج كثيراً، كأنه لا ينظر إليك ولا إلى الكاميرا، يفعل هذا عن عمد، وهو سمتٌ متكرر في السجناء والمعتقلين الذين قطفت السجون زهرة أعمارهم، وساقتني أقداري لمجالستهم في الحقيقة.

أقوال جاهزة

شارك غردهل دققتم جيّدًا في عينَيْ محمود عبد العزيز؟

شارك غردفي كل عمل لمحمود عبد العزيز، تجربة جديدة لرجل يعي أن العينين خلقهما الله لما هو أبعد من مجرد الإبصار...

معظمهم يتحاشى التدقيق في عينيك، ويفضل الهروب منهما، فكأن الآخرين بالنسبة لهم، هم دوماً السجان الذي قد يعنف من يجرؤ على النظر إليه أصلاً.

وهو انتحالٌ مدروس من ممثل استثنائي له قدرته النافذة على تزيين شخصياته باللازمات الكلامية والإيماءات الجسمانية والنظرات المجهزة جيداً لكل دور.

لا أظن أن واحداً من الأدوار التي أداها عبد العزيز كان أكثر تأثيراً في نفسي من شخصية أحمد حبيب، الرجل الذي خرج من السجن ففوجىء بنفسه مليونيراً بموجب صفقة شيطانية غريبة المعالم.

12670577_1079485705435956_5192959567014859265_n

"أنت سُجنت ظلماً بسببنا، ونحن نعلم... لذا خذ مئات الآلاف من الجنيهات تعويضًا وعش حياتك!"... هكذا يقول له رسول مجهول ممثلاً لشخص مجهول.

لكن أحمد لم يعد بمقدوره مغادرة السجن، لقد سكنه السجن أكثر مما سكن هو السجن، لذا يبني بثروته الطائلة الوليدة سجناً يستدعي إليه المساجين القدامى الذين رافقوه والسجانين الذين قهروه، ليضاهي الحال التي اعتادها عشرين عاماً أو يزيد!

لماذا يكرس أحمد حبيب ثروته لأجل ما يبدو للناظر شقاء نفسه، بينما هو "خلاص" أحمد؟

طالما استغرقني السؤال واستوقفني هذا الدور تحديداً.

ففيه عيناه تنغلقان خوفاً وتوجساً، وتنفتحان تساؤلاً وغضباً من شيء ما مجهول وبحثاً عن "خلاص ما" مجهول.

فيه أكبر هواجسي... "الأرق".

اضطره أرقه أن يبني سجناً لينام فيه بعمق كما كان ينام في حبسه، مثلما يضطرني أرقي أحياناً للذهاب لبيت أبي وأمي حيث قضيت طفولتي، فعلى سريري هناك تحل ملائكة النوم لتقبض نومك قبضاً يسيراً.

أتذكر تقلبه في أسرة الفنادق والشقق الفاخرة التي يستأجرها بأمواله الطائلة، بينما يجافيه النعاس... فكيف للجسد في مشهد تقلبه أن ينقل إليك كل هذا الأرق المحبوس؟

وأتذكره حين يقول لي أن "أحداً ما" غامضاً قرر مكافأتي بعدما عاقبني دون ذنب، وأن هذا الـ"أحداً ما" يتحكم في حياتي دون أن أراه أو أفهم دوافعه.

لعلها إسقاطات الإنسان في لحظات ضيقه وضجره ويأسه من فكرة "الإله"، الغائب بعيداً، الذي يحاسبك على إحسانك وإساءتك؟

وأتذكر أحمد حبيب (فاسمي أحمد قبل كل شيء!) بينما تناديه بطلة الفيلم "إلهام شاهين": ليه يا أحمد؟ في كل مرة تسأل عن شيء من الأشياء الغريبة التي تحيط بحياته.

"ليه يا أحمد؟"... مهما كانت الإجابة، يبدو لي السؤال الأكثر قسوة، ولا تحتمله أعصابي حين يسألني إياه أي شخص.

فما بالك والحبيبة تسأل: "ليه يا أحمد؟"... لا بد أنه لا توجد إجابة شافية على هذا السؤال.

ثم في هذا الشوق المتحرق إلى مقابلة "الغائب" الذي يتحكم فيه، كي "يتكلم" معه...

أنا أود أن أقابل كل الغائبين الذين لا أعرفهم وأسمع عنهم فحسب، ولكل منهم يدٌ في مصيري... أود أن ألتقيهم في عليائهم ووراء جدران بيوتهم وستائرهم لأسألهم: لماذا؟

ثم أظن أنني سأفعلها كأحمد حبيب حين قابل "الغائب" واختار أن يلف سلك الهاتف حول عنقه... فلا شيء أثقل وطأة على النفس من العبودية التي لا تنتهي إلا بموت المستعبد!

رحل عنا محمود عبد العزيز. لكن نظراته تخترقني رغماً عني كلما قررت الجلوس أمام شاشة تبث عملاً من أعماله... وفي كل عمل، تجربة جديدة لرجل يعي أن العينين خلقهما الله لما هو أبعد من مجرد الإبصار.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أحمد الدريني

صحافي مصري

كلمات مفتاحية
سينما فن مصر

التعليقات