حوار بيني وبين رقيبي الذاتي: من الغالب ومن المغلوب؟

حوار بيني وبين رقيبي الذاتي: من الغالب ومن المغلوب؟

هل تكفي خمس سنوات من الربيع العربي وما خلّفه هذا الربيع من حريات نسبية لتخفيف حدة الرقابة الذاتية؟ هل أصبحت ككاتب وباحث تتمتع بالحرية الكافية للتعبير عما تريد دون الخوف من العقاب؟

في سنة الربيع العربي، كنت قد شرعت في مشروع يهدف إلى توثيق أحداث مفصلية في تاريخ الأردن الحديث، ومنها أحداث أيلول التي شهدت صداماً بين الجيش الأردني والفصائل المسلحة الفلسطينية.

لم أشأ أن "أفتح جروحاً قديمة" كما يحلو للمتخوّفين أن يقولوا. كل ما في الأمر أنها أحداث أدت إلى تغييرات كبيرة في المجتمع الأردني، وتُستخدم عادة لتخويف الناس بعضهم من بعض، على الرغم من أن روايات من عاشوها تؤكد أنها لم تكن حرباً بين أردنيين وفلسطينيين، بل خلافاً بين مشروعين.

لم يكن الجمهور جاهزاً لتلقي هذه القصص، فقمنا بتأجيل العمل عليها لبعض الوقت. وكلما مرّ الوقت، شاخ من عاش هذه الأحداث وفُقدت المصادر الموثوق بها، خصوصاً أنني معنية بتوثيق القصص الشخصية.

لم أكن متأكدة أن الوقت قد حان بعد، حتى بعد مرور خمس سنوات ممّا اعتقدنا أنه انفراج في الحريات، ولكن قررت أن أبدأ بجمع القصص على الأقل، ثم غرقت في بحر الأسئلة من الرقيب الذاتي الذي يحرسك في المنام ويبقى ساهراً يخاف من اندفاعك.

سجلت القصص صوتياً، وأفرغتها، ولكن لم يصمت الصوت الداخلي لحظة. أحقاً تعتقدين أنك قادرة على الحديث عن أيلول الآن؟ ألم تري ما حدث لعشرة صحفيين على الأقل منذ العام الفائت حتى اليوم بسبب قانون الجرائم الالكترونية؟

حجتي أمام الرقيب أن القضية لم تعد بالحساسية ذاتها، وأنه يمكننا أن نخرجها بطريقة غير مستفزة، خصوصاً أن محتوى القصص ذاته يفنّد معظم ما يتداول لتعزيز كراهية بغيضة. أي أنني، أيها الرقيب، أفيد في إزالة كراهية وليس تعميقها.

أقوال جاهزة

شارك غردحوار بين لينا شنك ورقيبها الذاتي: أتجّرأ أو لا أتجرّأ؟ حوار يخوضه معظمنا يومياً

أما بالنسبة لقانون الجرائم الإلكترونية، فهو مخيف وأنت محق، خصوصاً أنه يعامل الصحفيين والمواطنين على قدم المساواة، وما أنا بصحفية مسجلة في نقابة الصحفيين بالأساس لأشكو من معاملتي على قدم المساواة مع عامة الناس! ألا تعرف شروط الانضمام إلى نقابة الصحفيين؟

يخبرني الرقيب أنني في موقف حرج، فليس لدي أي حصانة في هذه الحالة، وقد لا نستطيع التحكم بتعليقات الناس الذين لن تنطلي عليهم قصة العائلة الواحدة التي تضم فدائياً وعسكرياً من بطن واحد، وسيظنون أنّها من بنات أفكاري، وسيغرقون مواقع التواصل الاجتماعي بما يشعل حماسة العنصريين. عندها، سأكون أنا مثيرة للنعرات العنصرية، وهذا ليس وقتاً مناسباً لإثارة أي نعرة ونحن على أبواب "عرس ديمقراطي"!

الحقيقة، على ذكر العرس الديمقراطي، ينقسم المتلقون إلى قسمين: قسم يرى أن القصص التي تُقسِم بعدم وجود خلاف أردني-فلسطيني في حينها هي قصص من وحي الخيال، وقسم كل همّه ألا يُظهر أحد الفيل الموجود في الغرفة وألا يتحدث أحد بخلاف في واحة الوطن الجميل والفسيفساء وكل الصور الشعرية الخالية من المضمون، وسيطلق هؤلاء حملة لتكذيبي تحت شعار #الأردن_أحلى_من_هيك.

بعد أن سرد لي الرقيب كل الحالات التي حدثت في العام الماضي، ذكّرني بأنني لن أضطر لإثبات انتمائي للنسيج الوطني بعد أن راودتني هذه الفكرة الخبيثة في توثيق تاريخ مهم لكل صاحب حساب على مواقع التواصل الاجتماعي، بل قد أصبح قضية يُحظر النشر بها. ألم تري كيف حُظر النشر في قضايا تتعلق بتوقيف عدد من الشخصيات العامة في قضايا رأي وأنت لست حتى شخصية عامة؟

قرّر الرقيب في النهاية أن الجمهور غير مستعد لرواية هذه القصة بعد، ولم يخبرني متى سيكونون مستعدين. قبل الربيع العربي، كنت تعتقد ممّا نشأت عليه أن كل سائق تاكسي هو مخبر، وكل من يحاول جرّك إلى حديث مخبر، بل حتى المعارض الشرس الذي أُعجبت بجرأته ما هو سوى مخبر يستغل بلاهتك.

الآن، بعد خمس سنوات من الربيع العربي، لم يختلف الوضع كثيراً. أنت ورقيبك الذاتي أشبه بذاك المشهد العبقري من المسلسل السوري بقعة ضوء، حيث اقترح المخبر فيه أن يبدأوا بالتبليغ عن الناس من أفكارهم، حتى قبل أن تتحوّل هذه إلى أفعال. كلما وقعت عينا المخبر على رأس شخص، ارتعد خوفاً وذهب جرياً إلى "سيده" يخبره عن ذاك المجنون الذي تجرأ وفكّر بفكرة ما.

وهذا رقيبك الداخلي يرتعد خوفاً ويسبقك ليعتذر من الجمهور!

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
لينا شنك

صحفية ومترجمة أردنية حاصلة على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية. تهتم بالكتابة التي توّثق تجارب الناس وحكمتهم مهما كانوا بسطاء. تهوى تعلم اللغات ومراقبة المارة في كل مكان، والبحث عن المشترك بين الناس في كل أنحاء المعمورة.

التعليقات