الدليل الوافي لآداب التصرف في السينما

الدليل الوافي لآداب التصرف في السينما

كانت رحلة الدخول إلى السينما في الماضي تستلزم تخطيطاً طويل الأجل محفوفاً بالسرية والحِيل المُلتوية... وكانت رحلة الانطلاق من خورفكان إلى الشارقة هي أفضل وقت لوضع اللمسات الأخيرة لتلك الخطة... لا سيما أن فترة الأعياد والمناسبات والإجازات القصيرة تنشغل فيها أعين العائلة عن متابعة تحركاتنا التكتيكية غير المتوقعة، فكانت هي أفضل وقت للهروب الكبير إلى سينما "الحمرا"...

ورغم أن سعر التذكرة لم يكن يتجاوز خمسة عشر درهماً، إلا أنه كان يفرض على المجموعة بذل الكثير من الجهد المشروع وغير المشروع لسداد استحقاق التذكرة لجميع الأعضاء المشاركين في العملية مثل السطو على عيدية أحد أطفال العائلة الذي يُفضل فئة العشرة دراهم على فئة المئة درهم بسبب لونها الأخضر... ثم تتلو ذلك الخطوة الثانية وهي رسم خريطة الوصول إلى الشاشة الكُبرى والتي تبدأ بالتفاوض مع سائق سيارة الأجرة لينقل سبعة أشخاص في سيارة واحدة بسعر لا يتجاوز درهمين للرأس الواحد مع تعهده عدم التوقف لأي أحد يشير له بيده... وعند الوصول إلى الهدف لم نكن نعلم وقت العرض، حيث لم يكن لدور السينما موقع يُخبرك بأوقات العرض في زمن انعدم فيه الانترنت... فكان علينا الانتظار إلى حين عرض الفيلم الذي قد يطول إلى ساعات... وعند الانتهاء من مشاهدة الفيلم يُقْسم جميع أفراد المهمة المستحيلة أنهم لن يُفشوا سر السينما لأحدٍ مهما حصل وتحت أية ظروف.

اليوم تغير الوضع جذرياً وصارت السينما جزءاً أساسياً من الرفاهية الشبابية والعائلية... ولم تعد رحلة التخطيط للذهاب إلى السينما تستغرق أكثر من دقيقة وتشمل فتح التطبيق واختيار الفيلم وأوقات عرضه ثم الانطلاق إلى صالة العرض... لم تعد هذه الرحلة بحاجة إلى أسبوع من الإعداد والتخطيط الجاد الذي كان يتولاه أخي الأكبر... صارت السينما في متناول الجميع في حين أنها في الماضي القريب كانت نقيصة للشاب تُذكر مع ترك الصلاة ومعاكسة البنات...

هذه الحركة المجتمعية باتجاه دُور السينما سمحت لبعض الناس بالدخول إلى هذا العالم رغم عدم استعدادهم لذلك. من أجل ذلك دونت بعض الملاحظات الهامة - من وجهة نظري - لمن قرر مواظبة حضور الأفلام في السينما:

1- صالة السينما ليست مقهى شعبياً تُشعل فيه مدواخك أو سيجارتك بدون أن تُعير اهتماماً إلى العوائل التي تصحب أطفالها، فكونك تريد أن تُثبت شخصيتك من خلال الدُخان الذي ينبعث من فمك، فهذا تستطيع فعله في مواجهة التنانين الضارية في أحد المقاهي الشعبية وليس أمام فئة غير مُلزمة بالتعرض للسعال والحساسية والتدخين السلبي بسبب توهمك أنك "كول بوي"...

2- صالة السينما ليست مكاناً لعرض الآراء البنّاءة عن الفيلم وأبطاله ومُخرجيه وظروف تصويره وأجور ممثليه، فالناس لا يريدون سماع تحليلاتك العميقة والسطحية للمشاهد التي يرونها، فهم جاؤوا لمشاهدة الفيلم فقط... يحق لك الضحك عند مشاهدة مشهد كوميدي والفزع عند مشاهدة مشهد مُرعب... ولا يحق لك أن تتنبأ بالمشهد القادم بصوت عالٍ ولا أن تُحول فيلم الرعب إلى فيلم كوميدي بضحكاتك الهستيرية...

أقوال جاهزة

شارك غردرجاءً، أريحونا من هذه التصرفات في السينما...


3- صالة السينما ليست منبراً اجتماعياً لتبادل أطراف الحديث مع أصدقائك الذين لم ترهم من أيام الجامعة، فمشكلتك في التواصل معهم تستطيع علاجها في مجلس العائلة أو بمواظبة حضور دروس اليوغا، لكن ليس في السينما... وليست السينما منبراً استعراضياً لروائح الكولونيا الفتاكة التي تحطم حاسة الشم عند الحضور الذين لم يستفيقوا بعد من صدمة سماعهم ضجيج المعركة الدائرة بين أسنانك وحبات "البوبكورن"...

4- الصراخ والعويل من أجل جلب الانتباه تستطيع ممارستهما في حديقة "هايد بارك" اللندنية أو في حلبة سيرك... فالناس غير مسؤولين عن مشاكلك التي يستطيع حلها المختصون في العيادات النفسية...

5- كونك تعرف أحداث الفيلم - بسبب قراءتك للرواية التي ألهمت كاتب السيناريو - لا يتطلب منك ذلك أن تستعرض عضلاتك الثقافية أمام الحضور، فيمكنك طلب المشاركة في إحدى ندوات صالون الأدب الروسي أو نادي أصدقاء نوبل أو في التجمعات الثقافية المنتشرة في أنحاء الدولة للحديث عن رأيك الشخصي في الرواية... لكن لا تفعل ذلك في صالة سينما، فالناس دفعوا ثمن التذكرة لمعرفة القصة من خلال العرض المُسجل أمامهم وليس من خلال حركات شفتيك، حتى لو صدف وكنت أحد المشاركين في كتابة السيناريو...

6-إذا لم يُعجبك الفيلم فما عليك سوى الانصراف الهادىء من القاعة دون الحاجة إلى اللطم والتأفف الطويل الذي قد يتجاوز الساعة الكاملة بسبب كونك دفعت قيمة تذكرة فصارت لك حقوق وعلى الحضور واجبات... الناس لن يقوموا بتعويضك قيمة التذكرة ولا يهمهم كثيراً إن أعجبك الفيلم أم لم يُعجبك، فتوقف عن ممارسة دور الوصاية الفنية على غيرك...

7- لا تحضر فيلم 3 دي أو 4 دي إذا لم تكن ملماً بطبيعة المشاهد فيهما، فالناس لا يريدون أن يتشتت انتباههم وهم يرونك تحرك يدك طوال عرض الفيلم من أجل لمس البطلة أو سمكة القرش، فهذه التقنية المتطورة تعتمد على تقريب صورة المشهد لك حتى تثير حماسك، ولا يعني ذلك أنك ستستطيع لمس الشخصيات الواردة في الفيلم أبداً...

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
د.عمر الحمّادي

خريج الكلية الملكية للجراحين في إيرلندا طبيب في مدينة الشيخ خليفة طبية في أبوظبي @drmentalist

كلمات مفتاحية
السينما

التعليقات