عام على الحراك اللبناني… وبعدين؟

عام على الحراك اللبناني… وبعدين؟

استفزّ حراك العام الماضي الذي نظمه شباب وصبايا ملوا الستاتيكو اللبناني كثيرين في الداخل اللبناني وخارجه. رأى المتحمسون للتغيير، الآملون بشعاعٍ من نور ولو كان خيطاً رفيعاً، فرصةً لأن لا تتكرر التجارب التي عاصروها، من اختلافٍ واتفاق، محاصصة ومحسوبيات، وحتى تظاهرات شبابية مآلها الفشل.

حاول الشباب اللبنانيون، بالتزامن مع ثورة الياسمين في تونس، والثورة المصرية، أن ينتفضوا على الطبقة الحاكمة في لبنان، واضعين البلد على سكة الثورات والتغيير المحتوم. "من أجل الجمهورية"، خرج شبان وشابات في مسيرة رمزية تحت المطر قبل قرابة الست سنوات، وما لبثت تظاهراتهم أن كبُرَت وتنامت ككرة الثلج، من مجموعة لا تتعدى العشرات، لعشرات الآلاف من اللبنانيين المؤمنين بمستقبل مشرف.

أثبت الشباب المنظمون أنفسهم رقماً صعباً، ميّزهم تنوعهم الطائفي في بلدٍ طائفي الطبع والطباع، ساحبين البساط من تحت أقدام الطبقة الحاكمة، ومغيبين عذراً كانت لتستخدمه هذه الطبقة، إمراراً لمشاريعها المستمرة منذ ما بعد نهاية الحرب الأهلية، كجزءٍ من مكافأة أخذها بعض أمراء الحرب، تقديراً لجهوده في تهجير وقتل وتشريد مئات الآلاف، عدا التغييرات الديموغرافية والدمار الذي تسبب به هؤلاء لهيكل الدولة بما يحوي من أجهزة ومؤسسات.

عاد اليكم من جديد

أهل الحراك لم ييأسوا، في العام الماضي، نظموا صفوفهم، نسقوا لحراكٍ جديد، الجو ملائم، المواطنون ضاقوا ذرعاً بالوعود الحكومية، المجلس النيابي مدد لنفسه بدل المرة اثنتين بحجة الأوضاع الأمنية، الضرائب هي الحاضر الأبرز لبنانياً بالترافق مع أزمة نفاياتٍ اجتاحت البلد لتسعة شهور بلا حلول. الوزير المعني محمد المشنوق اعتزل الملف وتسلمه الوزير شهيب، الخبير بملف النفايات والأب الروحي للحل السابق في التسعينيات. الحل الذي أدخل ميسرة سكر وسوكلين جنة المكاسب المادية من المشاريع الحكومية."طلعت ريحتكم" كان الشعار الذي اتخذته المجموعة الشبابية، اعتصمت ودعت الناس للمشاركة. التجاوب الشعبي كان واسعاً. نزل المواطنون كما نزلوا من قبل، زاد الضغط على الحكومة ورموزها الذين تعاملوا بخفة مع المتظاهرين في بادئ الامر، قبل أن يجن جنون السلطة، فاعتقلت وجرحت وسحلت وقمعت المتظاهرين، ووصفتهم بالعملاء تارةً وبالسكارى الحشاشين طوراً. لم تنفع الدعاية السياسية الحزبية في ثني الناس عن المشاركة، بدا التغيير قريباً قبل أن تنقلب الصورة.تميز الحراك بغياب الوجه القيادي البارز، ولا مركزيته من حيث المجموعات وتصنيفها وانتماءاتها... لكن بدلاً من استثمار الاختلاف والتمثيل الواسع في زيادة الحشد الجماهيري، فضل من يظهرون على الشاشة الأضواء على المطالب. وجوهٌ عديدة جعلت من الحراك مطية توصلها للكاميرات والاستديوهات الإعلامية، انتهجوا طرقاً واضحة الهدف. بطولة وهالة إعلامية، وزعامة بحجم شارعٍ لا برنامج يحمله، بل أحلام وطموحات، أولها رفع النفايات وآخرها عيشٌ كريم.كثرة المجموعات، أو التخمة في نتاج الفرز الديمقراطي الذي حصل، من طلعت ريحتكم لبدنا نحاسب مروراً بآخرين، حوّلت الحراك إلى ميدان للعبة السيطرة "ريسك". كلٌّ يريد أخذ حصّة أكبر والانقضاض على خصمه، مع أن خريطة الحراك الوهمية، لو قدّر لها لاستقالت وهربت. بعد أقل من شهر، بدأ الناس بالانفضاض من حول الحراك المستجد، فقد زخمه وعادت جماهيره إلى المنازل، بقي بعض المؤمنين الحالمين بغدٍ أفضل، ومعهم السبب الرئيس في انهيار الحراك، عُشاق الكاميرا والدونيكشوتييون. هؤلاء شبعت منهم الأضواء ولم يشبعوا إلا بأكل نجاح الحراك وهضمه والقضاء عليه.

قصص معادة بلا دروسٍ مستفادة

لا يختلف عاقلان على أن معظم الطبقة السياسية في لبنان غارقة في الفساد. الطبقة السياسية أصلاً لا تمانع من ذكر ذلك، مشاريعها تشمل جميع القطاعات الانتاجية، مزارع، منتجعات، فنادق، شركات استيراد وتصدير وحتى مطاعم. الشعب بدوره يعي فساد سياسييه. ناشطو الحراك لم يتعلموا من السياسيين فن طبخ الاستمرارية السياسية. لوهلة ظنوا أن حراكاً أيده عشرات الآلاف قادرٌ على إسقاط أحزاب تجذّرت في الأحياء الغنية والفقيرة في آن واحد، في المؤسسات والمصالح الواسعة والضيقة، والأهم في المساجد والكنائس.

رفع الناشطون شعار "كلن يعني كلن"، رفعُ شعار هو طبخةُ بحصٍ لا أكثر، رصاصة رحمةٍ أطلقت في جسد حراكٍ متهالك، بهكذا شعار، ولو كان محقاً، خسر الحراك القدرة على جذب فقراء الشعب اللبناني، تجاهل الحراك أوراقاً كان بإمكانه لعبها وقدّمتها له السّلطة، من ملف الكهرباء لملف النفايات المنتشرة، وصولاً لملفات الفساد والصفقات المشبوهة. فضل الناشطون دخول البازار السياسي ومقارعة الأحزاب. تعرضوا لزعاماتٍ موجودة فما كان من المناصرين إلا أن نزلوا بدورهم الساحات وأجهضوا الاعتصامات بعدما أيدوها، واعتزلوا عن تأييدها بسبب النظرة الفوقية والطبقية في بعض الأحيان. فالوشم على جسد هؤلاء، خاصةً سكان الأحياء الفقيرة المحيطة بوسط المدينة، يعني أنهم “زعران” وقطاع طرق، الكنزات والقمصان المتواضعة تعني أنهم جهال غير مثقفين، لا يعرفون التمييز بين القهوة والفودكا. هذا التنميط الذي اعتمده بعض المنظمين، خريجي ورشات التدريب الانجي أوزية تسبب بعزوف كثر عن المشاركة.الشعور النخبوي والذاتوية المهيمنة على البعض، أظهرت الحراك هيبوكريتياً مزدوج المعايير، ينسجم مع ثورات الفقراء في البلدان المحيطة، ويزدري بطبقية مفرطة أبناء أحياءٍ كحي اللجى وخندق الغميق البيروتيين لفقرهم، مع أن هؤلاء الفقراء هم الأشد تضرراً من سياسة التمييز التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة. تخيلوا وتخيلن، يراقب هؤلاء وسط المدينة من شرفاتهم. تنظيمٌ وتغذية كهربائية، بينما تستقر النفايات في شوارعهم هم، ويعيشون بلا تغذية كهربائية أو إمداد مائي.

ما البديل يا رفيق "الكنبة"؟

ظهر مصطلح حزب الكنبة إبان الثورة الشعبية المصرية الأولى، رمز المصطلح للمستقلين الذين ترددوا في المشاركة بالتظاهرات وفاعليات الثورة، من لم يحسموا قرارهم بتأييد مبارك أو الثوار، وجلسوا مراقبين منتظرين غلبة أي طرف ليسيروا معه.

عند انتقاد الحراك الميت، غير المدفون بعد لاعتقاد منظميه بوجوده لليوم، يسارع المنظمون للهجوم عليك كمنتقد. الانتقاد برأي بعضهم يعني الانسجام مع السلطة وتحطيم آمال الثوار الجُدُد، بلا مبالغة، نسج أحدهم منذ فترة، قصّة عن محاولة لاغتياله، وآخر نسب إنجازاً لأحد الوزارات لنضاله وخوف السلطة من غضبه في حال تجاهلت المطلب، علماً بأن السلطة تجاهلت الحراك كله لا مطلب هذا الشاب اللطيف.بصراحة، لا أملك بديلاً، لا أرى أفقاً لأي تغيير أصلاً في لبنان، قد أبدو يائساً، لكن من السهل الحديث عن ورشات عملٍ لتعليم الديمقراطية، ومجموعات ضغطٍ لإجبار السلطة على تقديم تنازلات آنية، أو اللجوء لبناء وعي مجتمعي ينمو ويكبر ليشكل قوة تغييرية لاحقةً مع البروليتاريا والكادحين، في حال توفر شخصية ككاسترو أو غيفارا، ورجوع الزمن بنا خمسين عاماً للوراء وأكثر، لأنّ العولمة قضت على أفكار ثورة الفلاحين، حتى كوبا، طبّعت مع أميركا.أثبتت الانتخابات البلدية أن الشعب اللبناني قادرٌ على فرض إرادته إن أراد، لا حاجة له بأي قيادي أو مجموعةٍ ثورية تنظيرية، فقط بحاجةٍ لمن يسير معه ويؤيد مطالبه بصدق. بعض الناشطين لا شك في صدقيته، بينما لا شك أيضاً، في هوس الشهرة عند البعض الآخر، الذي حرمنا طعم الانتصار على السلطة، ولو تذوقناه قليلاً بانتصار "بيروت مدينتي" المعنوي في المعركة البلدية الأخيرة، وإن من دون حصد أي مقعد.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أحمد ياسين

صحافي ومدوّن لبناني شاب، حاصلٌ على عدّة جوائز في التّدوين، كما على لقب سفيرٍ لحقوق الإنسان من منظمة التّنمية البشرية في الأمم المتحدة. نشر في وسائل إعلامية لبنانية وعربية عدة، منها النّهار، الأخبار، وصحيفة العربي الجديد، قبل أن يتولّى رئاسة تحرير موقع "الحقيقة" الإلكتروني، ويبدأ عمله كمراسلٍ تلفزيوني ومعدّ مواد في قناة ال "LBCI". ولياسين أيضاً مساهمة كمنتج لأفلام وثائقية، عن فيلمه "نوستالجيا"، الذي يتحدّث عن مصوّري الحرب الأهلية اللبنانية وتجاربهم. @Lobnene_Blog

كلمات مفتاحية
لبنان مدونة

التعليقات