"بدّيش إتجوّز!"

"بدّيش إتجوّز!"

يصلح إطلاق وصف "المتاهة" على الأعراس، فالأعزب الدّاخل للعرس مفقود، والخارج منه سليماً، نفسياً ومعنوياً، مولود، بين رُزم القبل ودزّينات الأمنيات والدعوات، يُنسى العريس والعروس، وينكبّ الحضور على التحضير للعرس القادم، كمل يقول المصريون..."يا بخت من جمع راسين بالحلال".

متجر الملابس

أفرغ من قياس البدلة، ينظر إليّ صاحب المتجر مبتسماً، يغمز الوالدة متردّداً بفتح الحديث المعهود، سلّم إليها كرة النار وهي تلقفتها بسعادة، لتُمطرني لحلمها أن تحمل أولادي، أن تراني متأهلاً كغيري من أصدقائي. يستلم صاحب المتجر الشعلة منها ويضيء على الجانب الديني للزواج، فالزواج إكمالٌ لنصف الدين، لعل القدر يلعب لمصلحتي، فهو يلفظ "الصاد" سيناً، ليصبح الزواج بلسانه "نسفاً" للدين. أقف على المرآة للحكم على القياس، وينظر الجميع إلي بشفقةٍ ربما أو أسى على حالي، متى ستقف عروسه إلى جانبه؟ لدرجةٍ أني فعلاً أشعر أحياناً أنني حالةٌ ميؤوسٌ منها، ودخلت سنّ اليأس المجتمعي، أو ما يصطلح للمجتمع تسميته بـ"العنوسة"، مع ما يحمل هذا اللفظ من بشاعةٍ في المعنى والجوهر والمظهر.

بنتي خطبها ابن خالتها

أكاد أجزم أن أمي لم تقفز فرحةً يوماً بقدر فرحها يوم أخبرتها صديقتها بخطبة إبنتها، هاتفتني لتخبرني، انتظرت وصولي للمنزل لتزفّ الخبر.

قبالة منزلي، صورةٌ للإمام موسى الصّدر، كُتب عليها: "إلى متى يا جدار الصمت"، كلما قرأها أحد، سألني السؤال ذاته، إلى متى الانتظار، مع من ستكمل المشوار؟ مع كرات الصوف والقطط؟ أضحك في سرّي، فهم لا يعرفون أني أخاف القطط، يشخّصون حالتي كنوعٍ من الفوبيا، "زواجو-فوبيا" مثلاً.

إيدكم بالجيبة لتصبح إيدي بإيدها!

في مراحل الاكتشاف العلمي، تُعتبر المرحلة الأولى، أي مرحلة الدراسات النظرية هي الأسهل، فلا حاجة لأي ميزانية إنتاجية، بل لورقةٍ وقلم، أو حاسوب وبضعة اقتراحات، تُبنى على أساسها الأفكار المؤسسة للمشروع.

ينطبق على أمنيات الزواج اليومية، في الأعراس والعمل والشارع ونادي الرياضة حتى نظرية "النظريات". يعي المتمنون جيّداً أن مؤسسة الزواج لا تعني خاتماً وعرساً فقط، بل قدرة شرائية، تبدأ بشراء منزلٍ أو شقّة، ولا تنتهي أبداً، لا حدود للمصروف الزوجي، ولعل هذا ما أثّر على نسب الطلاق في لبنان. لا أملك نسبةً محددة، تختلف الدراسات فيما خص الطلاق، المصادر الدينية تتحدث عن نسبةٍ لا تتجاوز 15% من مجمل الزيجات الشهرية، بينما المصادر المدنية، من محامين وغيرهم، تتحدث عن نسبةٍ تصل إلى 20%.

النسبة ليست مربط الفرس، بل الأسباب، بغض النظر عن إرجاع بعض المواقع الإلكترونية أسباب الطلاق لجدال الرجل والمرأة في أشهر معينة ـ لم أفهم لماذا الأشهر تحديداً ـ تعود لسببين رئيسيين، القدرة الاقتصادية والقدرة الجنسية. القدرة الجنسيةُ مرتبطةٌ بالعامل النفسي بشكلٍ أساسي، والعامل النفسي يتردى بفعل الضغوط، التي يعد العامل الاقتصادي أبرزها، أي أن الطلاق هو نتاج دائرةٍ مفرغةٍ من المشاكل، عنوانها الرئيسي الحاجة المادية وصعوبة تأمينها.

تنتشر على الإذاعات إعلانات عن بيوتٍ في تركيا وقبرص، تبدأ أسعار البيوت من 60 ألف دولار للـ150 متراً مربعاً. الإعلان مضحك مبكٍ، فالأسعار في لبنان تبدأ من 90 ألف دولار للـ130 متراً مربعاً وذلك بعيداً عن العاصمة أو مراكز المدن. أي أن ميزانية شراء "بيت الزوجية" تعتمد على مساحته وقد تصل، في حال أراد العريس شراء منزلٍ في بيروت، إلى مليون دولارٍ وأكثر. وهو شابٌ في بداية حياته المهنية، غارق بعدّة قروضٍ، ولن يكون قرض المنزل آخرها. يمكن للشاب أن يستأجر شقةً تراوح تكلفتها بين 250$ في القرى والمدن الدّاخلية، و800 - 1000 دولار في بيروت وضواحيها.

بحسب دراسة قامت بها وزارة الشؤون الاجتماعية في لبنان، وثّقت معدل سن الزواج في بيروت، فبلغ 31 سنة للفتاة و35 سنة للشاب. وأعرب 87% من الشبان المقيمين الذين شملهم الاستطلاع عن رغبتهم في الزواج بامرأة عاملة. وأكد 77% منهم أن المرأة العاملة ملزمة بمساعدة زوجها، بينما رأى 33% أن عمل المرأة يضمن استقلاليتها. يعني حسابياً، فُرص الذكور في الارتباط بالإناث تعادل ضعفَيْ فرص الإناث، بسبب تفوق عدد الإناث على الذكور، بفعل الحروب ومعدلات الولادة والاغتراب الاضطراري. وفي هذا السّياق نشرت "روسيا اليوم" رسماً إنفوغرافيكياً حول نسب عدم الزّواج في المشرق، واحتل لبنان المرتبة الأولى بنسبة 85% عند الاناث. أرقام "روسيا اليوم" تناقضها أرقام "المؤسّسة الدّولية للمعلومات". فبحسب المؤسّسة، تُسجّل نسبة «العزوبيّة» لدى الفتيات في لبنان من عمر 19 عاماً إلى 45 عاماً، 52%، وترتفع لدى الذكور في الشريحة العمرية نفسها إلى 62%. وبحسب أحد مراكز الإحصاء غير الرسمية، فإن نسبة «العزوبية» هي 56%، وتتوزع هذه النسبة على الشكل الآتي: 95% للذكور بين عمر الـ20 إلى الـ24، و73% للإناث في الفئة العمرية نفسها، وتتقارب النسبة بين 35 عاماً و39، لتزيد النسبة بعد عمر الأربعين.

بديش إتجوّز!

قرار الزواج قرار فردي، قد يرفضه المرء وقد يشجعه وقد يتمناه، أنا سأحتفظ بموقفي من الزواج، الكل يريد تزويجي، أسمع عبارة "أيمتى بدنا نفرح فيك" أكثر من عبارة "كيفك"، لدرجةٍ اني أشعر أن الجميع حزينون لحالي!

للآن، حصاني الأبيض في الإسطبل، سرجه مفكوك وحبله ولا نيّة لإخراجه من إسطبله، مجرّد التفكير بالزواج، يترافق مع ضحكة هستيرية وسيناريوهاتٍ اقتصادية، تبدأ بالبطالة والهجرة، ولا تنتهي عند أسعار البيوت. سامحيني يا أمّي، باسم العديدين من الشباب، "بديش إتجوّز!" (لا أريد الزواج).

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أحمد ياسين

صحافي ومدوّن لبناني شاب، حاصلٌ على عدّة جوائز في التّدوين، كما على لقب سفيرٍ لحقوق الإنسان من منظمة التّنمية البشرية في الأمم المتحدة. نشر في وسائل إعلامية لبنانية وعربية عدة، منها النّهار، الأخبار، وصحيفة العربي الجديد، قبل أن يتولّى رئاسة تحرير موقع "الحقيقة" الإلكتروني، ويبدأ عمله كمراسلٍ تلفزيوني ومعدّ مواد في قناة ال "LBCI". ولياسين أيضاً مساهمة كمنتج لأفلام وثائقية، عن فيلمه "نوستالجيا"، الذي يتحدّث عن مصوّري الحرب الأهلية اللبنانية وتجاربهم. @Lobnene_Blog

التعليقات