جدّتي والبرقع... وزمن "البوركيني"

جدّتي والبرقع... وزمن "البوركيني"
الشرطة الفرنسية تجبر سيدة على خلع البوركيني على أحد شواطىء مدينة نيس الفرنسية

تجتهد في مسك عباءاتها بينما تخبز على الصّاج. ربّت إثنا عشر ولداً، تساعد زوجها ببيع الخبز بعد خبزه صباحاً، وبالخياطة ظهراً بعد فراغها من إعداد المائدة لجيشها الصّغير، أبنائها. كانت نادرة الخروج من المنزل، وإن خرجت، تُضطر للبس برقعٍ أبيض، سُمّي بالـ"رمية". والرّمية نتاج عاداتٍ وتقاليد شاميةٍ قديمة.

جدتي كانت متدينة، لكن لم تكن ملتزمةً بشكلٍ كبير، تغطّي وجهها حتّى بالصّور. أخواتها، أي خالات والدي، لم تكنّ محجباتٍ بشكلٍ كامل، كنّا يرتدين الرميةَ والمنديل، مع تنانير تصل لركابهنّ، المجتمع فرض عليهن صنفاً من اللباس والتزموه. بطبيعة الحال، نوعية اللباس جزءٌ من ثقافة المجتمعات وعاداتها وتقاليدها.

عند حديثنا عن لباس الإيرانيات، كنّا نسميه بالعباءة، واعتادت جدّتي أن تصحّح لنا، تصر على تسميته بـ"التّشادور" ولو المعدّل ما بعد الثّورة والحكم الإسلامي. "التشادور" الإيراني عمره 500 عام. لم يكن لزاماً على المرأة الفارسية تغطيةُ وجهها، بل جزءاً من شعرها، كتعبيرٍ عن مقامها السامي إبّان الحقبة الزّرادشتية، على عكس الحقبة السّاسانية التي فرضت على المرأة الخمار، أي الغطاء الأسود، وامتدت لتشمل المرحلة الإسلامية الأولى أيضاً. لم يكن الدّين الوازع لتحديد اللباس، بل المجتمع.

يلتقي اليهود المتشدّدون مع المتشدّدين الإسلاميين في موضوع اللباس، فيفرضون الخمار الأسود ذاته على بناتهن، بحجّة اتباع الدّين والتّعاليم اليهودية الأصيلة. يعيش المتشدّدون اليهود في إسرائيل اليوم، ويمارسون التّمييز الجندري بحق المرأة، لكن الاعلام يتجاهلهم نوعاً ما، مع أن تعاليمهم لا تقلّ تطرّفاً عن التّعاليم الدّاعشية.

كانت جدّتي تبيع خبزها من خلف الباب، لأن المجتمع يعيب على المرأة الانكشاف على الأجانب. لم يختلف حال المرأة البوسنية كثيراً عن حال جدّتي، بحسب الدّكتور أحمد عبد الكريم نجيب. ففي القرن الرّابع عشر ميلادي، "كانت المرأة المسلمة في البوسنة محتشمة، قارة في بيتها، ضاربة بخمارها على جيبها، لا تختلف في ذلك عن أختها في بلاد المسلمين الأخرى"، أي أنّها أجبرت على لبس البرقع والجلباب الطّويل. بينما يصف ولي عهد مصر السابق الأمير محمد علي باشا بن الخديوي، ( ت 1374 هـ / 1955 م )، الذي زار البوسنة متنكراً عام 1317 هـ / 1900 م، ملابس النساء المسلمات في البوسنة، ويذكر بعض عاداتهن الدالة على "الحشمة والعفة". يقول: "أما النساء المسلمات فيلبسن الفرجية ويتنقبن ببراقع تستر كل الوجه، غير أن لكلّ واحد فرجتين إزاء العينين بقدر ما تسع خيوط النظر، ولذلك كان من النادر أن يرى الإنسان وجوه أولئك السيدات، ومن عاداتهن ألا يخرجن من بيوتهن ولا يتجاوزن خدورهن إلا للحاجات عندما تستدعي الضرورة خروجهن". مسلمو البوسنة ميّزوا أنفسهم عن باقي البوسنيين بالفرجية، مما يثبتّ الحقيقة القائلة أن النّقاب عادةٌ مجتمعية شرقيةٌ أكثر منها واجباً دينياً.

زي نساء البوسنة التّقليدي يشبه الزّي التّركي العثماني. ما يجمع البوسنيات مع السّعوديات والإيرانيات والهنديات والسّوريات وغيرهن، هو الجلباب الأسود والبرقع، فُرض عليهنّ بعد سيطرة التّطرف، والحنين إلى "السّلف" وأيامه، والذي اعتاد تظهير تعاليمه بالتّشدّد في التّعاطي مع النّساء، ويُترجم الاضطهاد الجندري بسرقة الألوان من أزيائهنّ.

سرق التّطرف من الهنديات ألوان السّاري الذي لم يشفع له عمره الذي بدأ بالعام 2800 وإستمر للعام 1800 ما قبل الميلاد. وسرق من الصّينيات المسلمات الهانفو، اللباس التقليدي لقومية الهان في الصين، حيث برز هذا اللباس خلال جزء كبير من تاريخ الصين، وخاصة خلال حكم أسرة تشينغ، مع أن الحكومة الصّينية متشدّدة في علمانيتها، لكن الزّي تأثّر. أمّا الرّوسيات والشّياشانيات، فخسرن ميّزة السرافان أو فستان المريلة، الذي يعتبر الزيّ الشعبي الروسي عند النساء والفتيات لصالح الأزياء العادية، بعدما فرض بطرس الكبير، مُجدّد روسيا على النّساء خلعه ولبسه فقط في المناسبات الرّسمية.

يعيد "البوركيني" والجدل الدّائر حوله اليوم فتح باب الحديث عن الأزياء النسائية، من يحدّد للمرأة طبيعة لباسها، وهل يُعتبر النّقاب والبوركيني وسيلةً لـ"استعباد المرأة" كما قال رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس أم خياراً ذاتياً؟ هل يتعارض المنع الفرنسي للبوركيني مع مبادئ احترام الحرّيات الفرنسية أم أنّ منعه هو تثبيتٌ لمبادئ العلمانية التي تتغنّى بها الجمهورية الفرنسية؟

منعت فرنسا "البوركيني" لأسباب أمنية لا لأسباب تتعلّق بعقيدة الدّولة العلمانية، ومن هنا ينطلق الاعتراض على منعه ويترافق ذلك مع زيادةٍ في مبيعاته.

جدّتي نزعت رميتها ووضعت كحلتها، تأملت وجهها على المرآة وإبتسمت، لمست خدّها وأحسّت بنعومته، وقررت أن تفتح الباب وتخرج، في خطوتها الأولى خارج باب المنزل. خرجت من زمنٍ إلى آخر، ومن عقليةٍ إلى عقلية ومن حقبةٍ في الأزياء إلى حقبةٍ أخرى. نجحت في تثبيت ما تريد، لم أكن موجوداً لأشاهد إنتصارها على الرّمية، لكن رأيته على وجوه نساء منبج اللواتي أحرقن النّقاب والجلباب الأسود، وأشعلن سجائرهن، ليحرقن بها أوهام كل من يريد التّحكم بلباس المرأة، لأي دينٍ إنتمى وبأي فكرٍ مشى.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أحمد ياسين

صحافي ومدوّن لبناني شاب، حاصلٌ على عدّة جوائز في التّدوين، كما على لقب سفيرٍ لحقوق الإنسان من منظمة التّنمية البشرية في الأمم المتحدة. نشر في وسائل إعلامية لبنانية وعربية عدة، منها النّهار، الأخبار، وصحيفة العربي الجديد، قبل أن يتولّى رئاسة تحرير موقع "الحقيقة" الإلكتروني، ويبدأ عمله كمراسلٍ تلفزيوني ومعدّ مواد في قناة ال "LBCI". ولياسين أيضاً مساهمة كمنتج لأفلام وثائقية، عن فيلمه "نوستالجيا"، الذي يتحدّث عن مصوّري الحرب الأهلية اللبنانية وتجاربهم. @Lobnene_Blog

كلمات مفتاحية
فرنسا مدونة

التعليقات