حق النساء في تولّي القضاء

حق النساء في تولّي القضاء

لعله بات عصياً على امرأة مثلي أن تحاول إقناع الآخرين، ممن لا يزالون يتخذون الجنس معياراً في تحديد الحقوق والواجبات للبشر، واشتراط الذكورة في تحقيق الأفضلية بينهم. ولا يمكنني أن أقول ماذا أود في خيالي أن أفعل، بذاك الذي يحرمني حقوقي، وينتقص من أهليتي وعقلي، بأدلة واجتهادات ظنية غير إلزامية. رغم أنني أعتبر الدليل الديني عموماً خاضعاً لمعيار القبول والاتباع "الشخصي". فالدين علاقة خاصة بين العبد وخالقه.

لكننا للأسف ما زلنا نخضع لمنطق الوصاية، وصاية الناطقين باسم الله، الذين يفرضون آراءهم الدينية على الآخرين، ويلزمون بها العموم. ويرون كل من يخالف آراءهم ضالاً خارجاً من الملة. منطق الوصاية هذا خطر إلى درجة نتجت بسببه كل الجماعات الإرهابية، التي تريد فرض فهمها الخاص للشريعة بمنطق الوصاية، إذ كل منها ترى أنها تملك الدين الحقيقي والفهم الصحيح للدين، وهي الحارسة للفضيلة، ومن واجبها إنزال حكم الله "الذي تفهمه كما تشاء" في أرضه، فهل كانت ستظهر لنا جماعة تفرض وصايتها بالقتل كداعش لولا هذا المنطق؟

فوجئت حين كنت أقرأ عن الأدلة الشرعية في تولي المرأة القضاء، أن "نقصان العقل" أحد الأدلة الرئيسة في محاربة هذا الحق! فالقضاء يحتاج إلى كمال الرأي، وهذا بنظرهم ذكوري. بينما رأي المرأة ناقص، خصوصاً في محافل الرجال. والسؤال هنا هل كمال العقل وسداد الرأي صفتان يتصف بهما كل الرجال؟ وعليه هل نقصان العقل عام على كل النساء؟ ألم يطبق النبي رأي أم سلمه في صلح الحديبية، وكانت صائبة، بينما استعصى عليه وهو النبي الموحى إليه؟

تغيرت المعطيات والزمان والمكان، ولم تتغير الاجتهادات والآراء المبنية عليها، وتساير الواقع، ومقتضيات العصر التي تستوجب وجود المرأة الآن في جميع الميادين. فأصبحنا في زمن المرأة النائب والوزيرة ورئيسة الدولة، وبات من المعيب الحديث عن نقصان العقل لمجرد أنها امرأة، ناهيك بالحديث بشيء من الدراما المفرطة عن انسياقها وراء عاطفتها، وما يعتريها من حيض ونفاس، يرون أنهما يؤثران في فهمها للحجج، وبالتالي في تكوين الرأي الكامل. ولا يرى ذلك إلا المتأسلمون، أما بقية العالم المحترم، فيرى أنها حالة بيولوجية طبيعية، لا علاقة لها بالفهم والإدراك. ولو أردنا مسايرة أصحاب هذا الفكر، لقلنا إن بإمكانها طلب إجازة في هذه الفترة وتكفينا شر الاثنين. فالمرأة حين تصل عبر التدرج الوظيفي إلى منصب قاضية، تكون قد تجاوزت أصلاً فترة الإنجاب، وبعض النساء لهن القدرة على الإدارة أكثر من آلاف الرجال، ولهن من الكفاءة ورجاحة العقل، ما يقدمها عليهم جميعاً. وقد أثبتت أنها في العمل أكثر انضباطاً ودقة، ونسب قبولها في الجامعة أعلى من الشباب. فأي نقصان عقل وأي حيض ونفاس لم يؤثر على تحصيلها العلمي، الذي يتطلب عقلاً مدركاً ووعياً كاملاً.

أقوال جاهزة

شارك غردسارة الدريس تحاول الرد بالحجج على النصوص التي يستخدمها المتشددون في حرمان المرأة من ولاية القضاء

شارك غردهل بسبب هذه الآراء المتناقضة والأدلة الظنية من أصحاب الفكر المتشدد، نحرم المرأة من أحد حقوقها الأصيلة؟


ورغم أنني لا أحب التبرير الديني، ولا أفضل استخدامه، لكن بما أنه اجتهادات، نجتهد نحن بعرض الرأي، فالبحث والتفكير ليسا حكراً على أحد، وللجميع حق الرد. خصوصاً أن غالبية الحجج التي يستخدمونها مبنية على القياس، إذ لا يوجد نص صريح واضح وقطعي في ثبوته ودلالته يمنع المرأة من تولي القضاء. فإن هذه القضية خلافية والمسائل الخلافية يجوز فيها الأخذ بالرأي والرأي الآخر. ولا قداسة على أقوال أحد، و لا مانع من مراجعتها وتقييمها، بل استبدالها بحسب ما تقتضي المصلحة الاجتماعية والأوضاع المتغيرة، وما دام الاجتهاد جائزاً في عصر ما وفق فكره السائد، فيجوز لنا كذلك الاجتهاد وفق فكرنا وظروف عصرنا أيضاً.

سأورد بعض النصوص التي يستخدمها المتشددون في حرمان المرأة من ولاية القضاء، والحمدلله أنها واضحة لا تحتاج لبذل جهد كبير في الفهم، إلا من أراد أن يلوي النصوص عنوة لتوافق أهواءه، فهذا لا سلطان عليه حتى العقل.

  • حديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأه"

ورد هذا الاستدلال في الولاية العظمى، أي رئاسة الدولة أو الخلافة، لا ولاية القضاء، وقيل في بنت كسرى حين تولت منصب الملك في بلاد فارس بعد موت أبيها. فجاء نص الحديث على هذه الحادثة على وجه التحديد لا العموم في كل زمان وكل مكان. رغم أنني أرى أن أنجيلا ميريكل تجربة معاصرة حية أفلحت.

  • قال تعالى: "الرجال قوامون على النساء فما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا".

جاءت امرأة إلى النبي تستعديه على زوجها أنه لطمها، فأنزل الله هذه الآية. وبخصوص علاقة الرجل بزوجته وإنفاقه عليها وتقديمه لمهرها وكفايتها، أي الرجال أهل قيام على نسائهم في منزل الزوجية. وهذه القوامة خصوصاً، لا علاقة لها بتولي المرأة القضاء.

  • قال تعالى "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة".

وردت هذه الآية في سياق آيات تتعلق بالطلاق والعدة، والدرجة المضافة للرجل في الإنفاق، والقيام بالمصالح في بيت الزوجية، ولا علاقة لهذا بتولي المرأة القضاء.

  • حديث "القضاة ثلاثة، إثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار".

قد يجنح أحدهم إلى المنع بورود لفظ رجل في الحديث، رغم أن خطابات الشارع موجهة للعموم إلا إذا وجد ما ينص على الاستثناء والتحريم صراحة فيختص به. مثلاً حديث "لعن الله النامصة والمتنمصة" موجه للنساء، فهل يجوز للرجل النمص لمجرد أن الحديث لم يوجه له؟ والحديث أعلاه يناقش الحق والحكم به، ولا يناقش جنس القاضي.

  • آخر دليل يستدل به حديث أبي ذر، قال النبي: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وإني أحب إليك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم". وفي رواية: "قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها".

وجه الاستدلال هنا أن الإمارة وولاية القضاء لا تصحان للضعفاء، كون أبا ذر كان ضعيفاً منصرفاً للعبادة لا يستطيع القيام بالأعباء الوظيفية. وبما أن المرأة ناقصة عقل إذاً فهي ضعيفة بالضرورة، وينطبق عليها برأيهم هذا الحديث، رغم أنه موجه لأبي ذر، كونه طلب الإمارة لنفسه. فهل هذا التوسع في التأويل والتفسير الخاضع للأهواء جدير بالاحترام؟ ثم لو كانت المرأة قوية هل يسقط هذا الاستدلال؟

يحتج البعض أيضاً بحجة الاختلاط. وهذا لا يقنع عاقلاً، فإذا كانت المرأة تروي الحديث، وتُستفتى، وتتولى أمر الحسبة، وتذهب إلى المسجد، وتسعف المقاتلين، وتختار ولي الأمر، فكيف يستقيم ذلك دون أن تختلط بالناس! الاختلاط أسخف حجة لمن لا حجة له.

والإجماع، يقول الإمام أحمد بن حنبل: "من ادعى الإجماع فهو كاذب وما يدريك لعلهم اختلفوا". وكلنا لا نعلم يقيناً حدوث الإجماع ولم نشهده، وربما كانت هناك آراء مخالفة في ذلك العصر وطمست ولم تصلنا. مثلما ينكر كثيرون الآن رأي ابن جرير الطبري، القائل بجواز أن تكون المرأة حاكماً على الإطلاق في كل شيء، وكيف نعرف أنه لم يكن هناك في ذلك العصر من يوافقه في هذا الرأي؟ وأين الإجماع في منع المرأة من القضاء أساساً، حين يرى بعضهم عدم الجواز على الإطلاق، ويرى بعضهم الآخر جواز القضاء في كل شيء عدا الحدود والدماء، ويرى بعضهم الجواز على الإطلاق!

هل بسبب هذه الآراء المتناقضة والاجتهادات المختلفة والأدلة الظنية من أصحاب الفكر المتشدد، نحرم المرأة من أحد حقوقها الأصيلة؟ هل بسبب ذلك نحرم المرأة من تولي المناصب القيادية ونحرم المجتمع من عطائها وكفاءتها وانضباطها؟

حين أنكرت امرأة حديث عمر بن الخطاب في المهور قال: "أصابت امرأة وأخطأ عمر". ألا يدل هذا على حق المرأة في المشاركة في رسم السياسة العامة للدولة، وحين تصوب للحاكم رأيه فكيف بالقضاء.

الولاية لها ركنان "القوة والأمانة"، القوة ترجع للعلم والعدل، والأمانة تعود للضمير، و هذا ما لا علاقة له بالذكورة والأنوثة.

ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، على أن لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات دون تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي، سياسياً كان أو غير سياسي.

وورد في اتفاقية سيداو أن مصطلح "التمييز ضد المرأة"، يعني كل تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس، ويكون من أغراضه عدم الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية والمدنية أو في أى ميدان آخر، وتغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة، للقضاء على التحيزات والعادات العرفية.

وينص الدستور الكويتي في المادة 29 على أن الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة. لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين.

أخيراً قرأت أثناء بحثي في استدلالات الناطقين باسم الله أنه "ربما كانت المرأة ذات جمال باهر فتحدث فتنة، لأنه لا بد لها من التعرض للرجال، فيحدث الممنوع شرعاً، وما يؤدي للممنوع ممنوع، فنصل إلى منع المرأة من القضاء وهو المطلوب!". وهنا لا يسعني إلا أن أضحك ساخرة، ولن أخفي عدم احترامي لرأي متخلف معيب يرى المرأة بعقلها وكيانها وثقافتها، مجرد عورة مثيرة للغرائز في وقت تنافس المرأة على منصب الرئاسة في أعظم دولة في العالم.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
سارة الدريس

معلمة كويتية ذات نشاط سياسي بارز، تميزت بسقف خطابها العالي، تعد سارة الدريس أول سجينة رأي في تاريخ الكويت. @saraaldrees

التعليقات