التلاعب بالأرقام لن ينقذ مصر من الفساد

التلاعب بالأرقام لن ينقذ مصر من الفساد

أقرّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمة ألقاها أمام البرنامج الرئاسي لتأهيل شباب مصر بأن هناك فساداً في المحليات، وأتبع ضاحكاً: "طب أعمل إيه طيب؟!"

أجابه أحدهم ساخراً بتغريدة على موقع تويتر يقول: "نعزل ونحبس #هشام_جنينة".

جنينة هو الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات في مصر والذي نحّي عن منصبه بعدما تحدث علناً عن حجم ما كلف الفساد الدولةَ المصرية. وتقديراً لنزاهته، أُقيل جنينة من عمله وحُكم عليه بالحبس لمدة عام غير واجب النفاذ ودفع غرامة قدرها عشرون ألف جنيه (ما يعادل ألفي دولار) بتهمة "نشر أخبار كاذبة”.

أقوال جاهزة

شارك غردقد يكون الفساد أمراً مضحكاً للرئيس السيسي، ولكن من يتجرّع مرارة واقعه هم المصريون...

قد يكون الفساد أمراً مضحكاً للرئيس السيسي، ولكن من يتجرّع مرارة واقعه هم المصريون، الأغنياء والفقراء. فالاقتصاد المصري يصارع في ظل أزمة دولار حادة، ولا يزال الجنيه المصري يواصل سقوطه بينما ترتفع الأسعار ويزداد الغلاء المعيشي. أما الفساد فيبقى هو الضيف الثابت الدائم في حضرة الدولة المصرية.

ليس صحيحاً ما زعمه رئيس الوزراء المصري، شريف إسماعيل، عندما صرح أن وضع الفساد في مصر قد تحسن وذلك بناء على ترتيبها في مؤشر مدركات الفساد الذي تطلقه منظمة الشفافية الدولية سنوياً لقياس مستوى الفساد في القطاع العام في عدد من الدول. وعلى الرغم من أن مصر قد تسلقت بعض المراتب في هذا المؤشر في الأعوام القليلة الماضية، وعلى خلاف الأرقامالخاطئة التي جاء بها رئيس الوزراء، فقد بقيت درجة مصر متدنية (إذ جاء ترتيبها 88 من أصل 168 دولة في 2015 و94 من أصل 175 في 2014).

ونسب رئيس الوزراء هذا التقدم المزعوم إلى الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، التي أطلقتها الحكومة المصرية في كانون الأول 2014. ولكن الترتيب الذي أشار إليه ما هو إلا مقارنة لموقع مصر بالنسبة للدول الأخرى المدرجة على المؤشر والذي يمكنه أن يتغير بتغير عدد الدول. لذلك فالقياس الأدق لدرجة الفساد في القطاع العام بحسب المؤشر السنوي، هو الدرجة التي تحرزها الدولة. وأحرزت مصر 36 درجة من أصل 100 في 2015، أي أنها تقع في الجزء الأدنى من المؤشر، مما يدل على تفشي الفساد فيها.

وهذا أيضاً ما تؤكده مؤشرات الحوكمة العالمية الصادرة عن البنك الدولي لعام 2014، والتي منحت مصر 32 نقطة من أصل 100 في قدرتها على مكافحة الفساد. أي أن الوضع الراهن لمستويات الفساد في مصر هو أسوأ بكثير مما أعلن عنه رئيس الوزراء قبل عدة أسابيع.

بعد الإطاحة بحسني مبارك في 2011، انكبت مصر على محاربة الفساد واعتمدت إطاراً قانونياً قوياً. ولكن هذه القوانين بقيت مجرد حبر على ورق. وليس من العجيب إذاً أن يرى المصريون، حسب الاستطلاعات الأخيرة، جهود حكومتهم من منظار قاتم، إذ يرى ثلاثة وخمسون بالمئة منهم أن المحاكم فاسدة، بينما يعتقد ثلاثة وأربعون بأن الشرطة فاسدة هي أيضاً. وعليه، فإن ملاحقةهشام جنينة قضائياً، في خرق صريح لاستقلالية الجهاز المركزي التي من المفترض أن يحميها الدستور المصري، لن يساعد على تحسين الوضع القائم.

مكافحة الفساد هي عمل جاد يتطلب إرادة سياسية قوية وحكومة نزيهة وملتزمة وقضاء مستقلاً ومجتمعاً مدنياً متمكناً ومواطنين قادرين على التأثير والتغيير. وفي ظل غياب هذه الأساسيات،  فإن التلاعب في الأرقام لإحداث فرقعات إعلامية لن يحل المشكلة.

والجدير ذكره أن مؤسسات المجتمع المدني المصري انتقدت الإستراتيجية الوطنية التي جعلت من الحكومة المسؤولة الوحيدة عن مكافحة الفساد في مصر باستبعادها بقية الأطراف المعنية والمهمة، "لكنها في نهاية المطاف لا تستحق سوى تسمية الإستراتيجية الحكومية (وليس الوطنية) لمكافحة الفساد" كما علق أحدهم. إن اعتراف الرئيس المصري بوجود الفساد هو اعتراف أيضاً بعدم نجاح هذه الإستراتيجية.

 

نشرت هذه المدونة بنسختها الأولى على مدونة منظمة الشفافية العالمية.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات