نحن من يصنع الإرهاب

نحن من يصنع الإرهاب

تداولت مع صديق فلسطيني مقيم في لبنان، جملة ملفات، أبرزها الإرهاب. لم يتردّد صديقي بالقول إنّه في حال حصول الشّباب في المخيّمات على معاشٍ مغرٍ، سينضمون لأي تنظيمٍ راديكالي، إسلاميًّا كان أو إلحاديًّا.

في المخيّم، الإرهاب يولد هنا

جسدٌ اختبأ خلف الوشوم، سيجارةٌ استغرق لفّها من وقت مدخّنها أكثر من وقت تدخينها، طفلٌ يقفزُ على الأحجار تفادياً لسواقي المياه في زواريب المخيّم، وعجوزٌ تخبز على التّنور.

تردّدت قبل الدّخول إلى المخيّم. المخيّم "وكرٌ للإرهاب"، و"معقلٌ للجماعات الراديكالية المتطرفة"، لطالما حذّرني أهلي من دخوله. ولطالما حذّروني أيضًا من التّقرب من الفلسطينيين، لأن "الفلسطيني" أمعن قتلاً فينا نحن الجنوبيين، حتّى وصل الأمر ببعض الأهالي إلى رمي الإسرائيلي بالورود والأرزّ عند دخوله لطرد منظمة التّحرير الفلسطينية.

أخفيت محفظتي في جيبي خوفاً من التّعرض للنشل، واتخذت من الحائط ساتراً كي لا يراني أحد. شبّان في زوايا الطّرق ومداخل الزّواريب. وجوهٌ أتعبها النّضال اليومي، أطفالٌ حلمهم الوحيد الهرب من الجحيم اليومية، ولو بالانضمام لأي مجموعة إرهابية. تُرِك المخيّم ومن فيه لحالهم، يحاصرون منذ ما بعد الحرب الأهلية. متروكةٌ حاراتهم للمتطرفين كي ينشروا أفكارهم من دون مراقبة. فالدّولة التي تحارب الإرهاب في الخارج، تساهم بتنميته في المخيّمات. الحرب على الإرهاب لا تكون بالنّار والعسكر، بل بمشاريع تسحب البساط من تحت أقدام المستفيدين، كبناء المدارس والمشافي والعمل على تنميةٍ شاملة في البنى التّحتية والقدرات البشرية.

من يراقب المساجد؟

يدخل بلحيته الكثّة البيضاء، يسلّم على الشّباب والكهول، معظم الحاضرين لم يبلغ الثّلاثين من العمر، يبدأ خطبته بالدّعاء للمجاهدين، واللعنة على الظّالمين من أهل الدّنيا. معيار الظّلم حمّالٌ للأوجه، يتغيّرُ بتغيّر الأجندة الدّينية المحرّكة.

وُلدت حركة الشّباب المجاهدين في أفغانستان، في السّبعينيات والثّمانينيات بعد هجرة بعض الشّبان المصريين والخلجيين. الشّباب المهاجرون تأثّروا بفكر حسن البنّا وسيد قطب اللذين سُجنا وأعدما إبّان حكم الرّئيس المصري جمال عبد النّاصر، وأتلِفت كتبهما. ظنّ النّظام المصري أن التّلف سيقضي على أفكار التّطرف، فأحرق الكتب بدلاً من كتابة كُتُبٍ أخرى مضادة. مات سيد قطب الجسد، في حين أن أفكاره خُلّدت.

يُجيّش خطباء المنابر اليوم الشّباب للقتال في سوريا، واعدين إيّاهم بـ72 زوجةٍ حسناء وصكوك ملكيّة أراضٍ في الجنّة، مع كل أرضٍ قصرٌ ونهر. أحد خطباء المساجد في بيروت، ضمِن في خطبته نهار الجمعة، لمستمعيه، الجنّة في سوريا، فطريق الفردوس يمرّ بحل...

الأرض الموعودة

الجنة اليوم بمعيار رجال الدّين، مشايخ البلاط، تشبه "بويايز"، الأرض الموعودة. في أكتوبر 1822، بينما كان الأوروبيون يركبون السُفُن للهجرة إلى أميركا، بعد اكتشافها، نشر أحد المواطنين الأسكتلنديين، ويدعى غريغور ماكغريغور، إعلاناً عن منطقةٍ اسمها "بويايز"، تقع على طول النهر الأسود في هندوراس. "بويايز" أكبر من ويلز بحسب الإعلان، خصبة التُربة وافرة المياه، تُنتج ثلاث دفعاتٍ من محاصيل الذّرة كلّ عام، غنيّة بالغابات والأشجار، وبين أشجارها طرائد وفرائس تكفي لحومها لعشر سنوات. أمّا الذّهب، فيمتدّ على طول مجاري الأنهار. صدّق كُثُرٌ الإعلان، وتهافتوا على طلب الهجرة، فماكغريغور أكّد حاجة أرض الحلم إلى مستثمرين لمواردها، فالجنة فيها من الثّروات الكثير، لكن بعدد قليل من السكان. استغل غريغور ماكغريغور جرأة سكان المرتفعات في اسكتلندا، وتمتعهم بروح المغامرة، وكتب يقول إن "بويايز" ستكون أرض الاختبار المطلقة، والتحديات، والهبات. ودعاهم لقراءة كتاب عن فضائل "الأمة - الجزيرة" الصغيرة من تأليف المجهول توماس سترينجويز (ماكغريغور نفسه هو مؤلفه في الواقع).

جمع ماكريغور 200 ألف جنيه إسترليني مباشرةً من الاعلان، والقيمة السوقية لسنداته بلغت 1.3 مليون أو 3.6 بلايين هذه الأيام. في سبتمبر عام 1822، ويناير عام 1823، توجهت أول سفينتين إلى الأرض الأسطورية تحملان حوالي 250 راكباً. وصل هؤلاء إلى "بويايز"، فلم يجدوا فيها شيئاً مما وُعدوا به، مات معظمهم بسبب الجوع والمرض، وأنقذت البحرية البريطانية ثلثهم لاحقاً.

كُشف أمر ماكغريغور فهرب إلى فرنسا، وسوّق لـ"بويايز" هناك أيضاً، لكن السّلطات الفرنسية سرعان ما كشفت حيلته وقبضت عليه، فسجنته قبل أن يخرج في 1845 ويهاجر إلى كراكاس حيث توفي.

غريغور ماكغريغوار لا يزال حيّاً في خُطب بعض رجال الدّين وأفكارهم، يعدون الشّباب بالجنة ليعبدوا طريق الحكم بالموت. إعلانهم هو الدّين، يتحدّثون باسمه ليقوّضوا قيمه.

نحن من نصنع الإرهاب، بسكوتنا عن السّياسات العنصرية التي تمارسها الحكومات، دافعةً بأجيالٍ نحو التّطرف والإنزواء. نحن المسؤولين عن الإرهاب لأننا تناقلنا أفكاراً رجعيةً ككره الآخر والحكم على مجتمعٍ تبعاً لتصرفات أفراد، نحن المسؤولين عن الإرهاب لأننا سمحنا للمتطرفين باستغلال الأديان من دون أن نشنّ حملةً مضادّة تواجه الخطب بالخطب، والكُتب بالكتب، والمعسكرات بالمدارس والمسارح ودور الثقافة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أحمد ياسين

صحافي ومدوّن لبناني شاب، حاصلٌ على عدّة جوائز في التّدوين، كما على لقب سفيرٍ لحقوق الإنسان من منظمة التّنمية البشرية في الأمم المتحدة. نشر في وسائل إعلامية لبنانية وعربية عدة، منها النّهار، الأخبار، وصحيفة العربي الجديد، قبل أن يتولّى رئاسة تحرير موقع "الحقيقة" الإلكتروني، ويبدأ عمله كمراسلٍ تلفزيوني ومعدّ مواد في قناة ال "LBCI". ولياسين أيضاً مساهمة كمنتج لأفلام وثائقية، عن فيلمه "نوستالجيا"، الذي يتحدّث عن مصوّري الحرب الأهلية اللبنانية وتجاربهم. @Lobnene_Blog

التعليقات