الأسلوب الفضائحي في الإعلام اللبناني: حادثة الاغتصاب في طرابلس نموذجاً

الأسلوب الفضائحي في الإعلام اللبناني: حادثة الاغتصاب في طرابلس نموذجاً

الحدث اغتصاب جماعي.

الضحية فتاة قاصر لم تتخطٓ السادسة عشر عاماً.

اعلان


المشتبه بهم ثلاثة شبان أو أربعة، حسب الوسيلة الإعلامية.

المكان بين مدينة طرابلس وضهر العين في الكورة.

المادة كفيلة لإسقاط جميع أولويات وسائل الاعلام المرئية ودفعها للسعي الى الحصول على السبق.

بدأت الأخبار ترد على هواتف اللبنانيين مساء الأحد 10 تموز. تحركت المحطات التلفزيونية صباح الاثنين. الـmtv كانت أول الوافدين. تناست مراسلتها جويس عقيقي أخلاقيات المهنة وقواعدها مقابل حصولها على السبق. كشفت الأسماء الكاملة، صوّرت مكان وقوع "الجريمة"، نقلت معلومات مغلوطة وأكدّت أخيراً في رسالتها المباشرة أنها ستستعى للحصول على مقابلات مع أهل الضحية وأهل المشتبه بهم، واعدة المشاهدين بسكوبات إضافية خلال النشرة المسائية.


على الـmtv اذاً، خرجت الأسماء الى العلن. كشفت هوية الفتاة في عنوان التقرير. كذلك الأمر بالنسبة للشبان. الأسماء الكاملة ترافق صورة كل واحد منهم. في النقل المباشر الصباحي، نقلت عقيقي عن "مصادر أمنية رفيعة" خبراً مفاده أن جدّ الفتاة تعرض لنوبة قلبية دخل على إثرها إلى المستشفى. في التقرير المسائي، تنفي عقيقي "الاشاعات" وتحصل على مقابلة مع الجد.

أقوال جاهزة

شارك غردالأولوية هنا للسبق والإثارة. من يسأل عن الدقة والحقيقة عندما يكون السباق مركزاً على حصد اعلى نسبة رايتينغ

شارك غردالشائعات في البلد كثيرة والإعلام حريص على نقلها جميعها بدل أن يحرص على تصويب الخطاب

في الصباح أيضاً، تتردد عقيقي إلى الشقة، "موقع الجريمة". تفيد بأن الشقة تعود الى خالة أحد المشتبه بهم. الخالة خارج لبنان وعقيقي تكشف عن هويتها الكاملة. تتحدث أيضاً إلى عمّة الفتاة. هذه الأخيرة كانت قد اصطحبتها إلى عيادة الطبيب. فوالد الفتاة يعمل خارج لبنان فيما والدتها متوفاة، دائماً بحسب عقيقي. تسأل هذه الأخيرة العمّة عن معلومات حول تناول الشبان "حبوب هلوسة". لا تؤكد العمّة الخبر. لكن عقيقي حسمته، بناء على "مصادرها" مرة أخرى. تنتقل عقيقي إلى منزل الشاب الذي "لم يحتمل قلب والدته خبر اغتصابه قاصراً فتوّقف عن النبض بعد ساعة على النبأ المشؤوم". تقابل شقيقته. يركز المصور على وجهها وهي "تبكي الأمرّين". ثمّ تفتح عقيقي الهواء للشقيقة المفجوعة لتنهال بالاتهامات على الفتاة. "لو ما برضاك ما بتطلعي على الشقة"؛ "معروفة انها على علاقة مع أحدهم". يرد اسم الشاب كاملاً. تحسم عقيقي النتيجة. "ابتسامة" الفتاة "لن تعود وإن عادت فلن تعود كما قبل". تترك للقضاء دور الحكم في القضية. غفل عن عقيقي أنها أصدرت حكمها في التقرير وبالتالي شكلت مصدر ضغط على القضاء والجهات المعنية متابعة التحقيقات في القضية.


بدأ إذاً الإعلام بصياغة الحبكة وإضافة المكونات التي تسمح بجذب المشاهدين. يورد المعلومات دون أن يتأكد من صحتها. الأولوية هنا للسبق والإثارة. من يسأل عن الدقة والحقيقة عندما يكون السباق مركزاً على حصد أعلى نسبة رايتينغ. في أسوأ الأحوال، يصدر نفي للخبر. فالشائعات في البلد كثيرة والإعلام حريص على نقلها جميعها بدل أن يحرص على تصويب الخطاب.

توجهت معدة التقرير على قناة الـotv لارا الهاشم إلى عيادة الطبيب النسائي الذي كان أوّل من كشف على الضحية. استرسل الطبيب بوصف حالة الفتاة الجسدية. لم يتردد بوصف حالة "الشرج وغشاء البكارة والحلمتين". "مع الأسف، اتضحلي انه ممارس معها الجنس كتير كتير كتير". انتهاك خصوصية الفتاة الجسدية أمر مباح ما دام التركيز هو على أرقام المشاهدة. نشرت الـotv صور الشبان المشتبه بهم غير آبهة بتغطية وجوههم. وأوردت الاسم الأول لكلّ منهم، إلا أن الهاشم كشفت لاحقاً اسم عائلة الشاب المشتبه بتأمينه الشقة لأصدقائه.

قررت بعدها مراسلة المحطة استطلاع رأي بعض النساء في ضهر العين حول القضية. سألت الأولى "عندك بنات؟ صرتي تخافي عليهن زيادة؟" الهاشم حريصة على مستقبل الفتيات في البلدة. حاولت بعدها مقابلة أحد افراد عائلة الشاب الذي توفيت أمّه جراء ذبحة قلبية فور سماعها الخبر. التقطت الكاميرا تفاصيل ورقة النعي، فسمحت بالتالي بكشف معلومات إضافية حول العائلة. أصرت الهاشم على إجراء المقابلة. "بس سؤال واحد" قالت لأحد الأفراد خلف الباب الموصد بوجهها، متجاهلة تماماً حالة الصدمة التي تعيشها العائلة. ورغم كشفها جميع المعلومات المتعلقة بالشبان، أكدت الهاشم في الختام أن "كل المعلومات المتداولة تبقى في إطار الشبهات".


من جهتها، تفرّدت الجديد بمقابلة مع الضحية. هذه الأخيرة أدارت ظهرها للكاميرا وتحدثت مع مراسل القناة حسان الرفاعي. الجديد تفوز بالسبق. لا يهمّ إن كانت حالة الضحية النفسية تسمح لها بالظهور على الإعلام، أو التحدث عمّا جرى. المهمّ أنّ المراسل تفوّق على زملائه وحصل على المقابلة. تروي الفتاة تفاصيل ما جرى معها. ينتقل الرفاعي إلى عيادة الطبيب الذي يؤكد مرة أخرى أنه "انصدم لأن منفعل فيها كتير كتير". لا يذكر الرفاعي أسماء المشتبه بهم أو الضحية. ويحرص على تغطية وجوه الشبّان. يختم ناقلاً روايتين عن القضية، الواحدة تدحض الأخرى. يركز على تقرير الطبيب الشرعي "المتنازع على مضمونه" ويترك للتحقيقات كشف حقيقة ما جرى للرأي العام.


وقد حاولت ال ال.بي.سي. احترام المعايير المهنية. فاكتفت بالإشارة الى الأحرف الأولى من أسماء المشتبه بهم والضحية فيما غطت وجوههم. قابلت معدّة التقرير ريمي درباس سليمان الطبيب الذي كرر أقواله. أضحى هذا الأخير نجم تقارير نشرات الاخبار والمصدر الأول للمعلومات. لم يبخل في تزويد الإعلاميين بالتفاصيل، حتى تلك المتعلقة بوضع الفتاة الجسدي. نسيَ أنّ مهنته تفرض عليه أيضاً احترام خصوصية المريض والامتناع عن الإدلاء بأيّة معلومة للإعلام أو لأي شخص غير معني مباشرة بالقضية. حرصت سليمان على نقل وجهة نظر المشتبه بهم الذين أنكروا الجريمة المنسوبة إليهم. أمّا في ما خص الشقة المستخدمة، فتضاربت معلومات سليمان مع تلك التي نقلتها عقيقي على الـ mtv. فبحسب سليمان، الشبان استأجروا الشقة وهي لا تعود إلى أحد أقربائهم.

تفضي هذه الواقعة إلى استنتاج واحد. لا يهتمّ الإعلام المحلي بالمضمون الذي ينقله إلى الرأي العام. التشهير حق حتى إذا كانت المعلومات غير دقيقة. لا يكترث الإعلام لكرامات الناس وحرمة العائلات ما دامت نسبة المشاهدة ترضي السياسة التحريرية للمحطة.

تختم درباس تقريرها بانتقاد الأداء الإعلامي الذي رافق القضية، لاسيما أن التحقيق "لا يزال في بداياته". وقد حرصت رنيم بوخزام على ال.بي.سي. أيضاً على التحدث إلى أخصائيات في علم النفس والاجتماع. أرادت نقل وجهة نظر علمية، غايتها إيضاح فعل الاغتصاب وتبعاته النفسية على الضحية. يسجلّ للقناة أنها كانت الوحيدة التي حرصت على وضع القضية في إطارها الصحيح فيما لهثت زميلاتها خلف السبق.

وفي هذا السياق، نقلت الـ ال.بي.سي. ضمن نشرة أخبارها في 12 تموز معلومات تنفي كلّ ما جاء ضمن نشرات الأخبار المحلية. فبحسب القناة، والد الفتاة في لبنان. أمّها على قيد الحياة. وهما منفصلان. الفتاة أنكرت خلال التحقيق تعرضها للاغتصاب وأكدت أن ما قامت به كان لحماية نفسها من ردّة فعل العائلة عندما كشفت علاقتها بالشبان.

لا بد هنا من مساءلة جدية للدور الذي لعبه الإعلام خلال الأيام الثلاثة الأخيرة. فالقنوات المحلية تكرر مرة تلو الأخرى الأخطاء ذاتها. الانتقاد يطالها عند كل محطة مفصلية وقلة قليلة تراجع نفسها وتحرص على تفادي الزلات. فها هي اليوم مرة جديدة تنتهج الأسلوب الفضائحي بغية تحقيق أعلى نسب مشاهدة. تكشف هويات المعنيين في القضية فيما لم تصدر نتائج التحقيق الأولي. تضرب بالمعايير المهنية عرض الحائط عندما تنقل معلومات مغلوطة أدّت في 24 ساعة إلى تدمير حياة أربعة عائلات ووفاة شخص. تحرض الرأي العام وتشبع رغباته بدل أن تحرص على تصويب الخطاب لا سيما انه يرتبط بقضية حساسة كالاغتصاب. إذ لم تتطرق أية قناة إلى القانون اللبناني والمادة 522 من قانون العقوبات تحديداً، التي تعفي المغتصب من العقوبة في حال تزوج ضحيته. وباستثناء الـ ال.بي.سي.، لم تأتِ أية وسيلة إعلامية على ذكر قوانين الأحوال الشخصية التي تشرع العلاقة الجنسية مع القاصرات حين تسمح بزواجهم وتجرّمه اذا أتت العلاقة خارج اطار الزواج.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
جويل بطرس

جويل بطرس مجازة في التاريخ. تعمل حاليا كباحثة في جمعية المفكرة القانونية.

كلمات مفتاحية
الإعلام لبنان

التعليقات