هل يتمتّع الأردنيّون بحسّ الفكاهة؟

هل يتمتّع الأردنيّون بحسّ الفكاهة؟

للأردن سمعة في لبنان على أنها بلد ممل جداً. حتى إن هنالك من يسميّها "مملكة الضجر". هذه السمعة طبعاً غير مستحقّة. ما يحدث أن بعض أهل بيروت المتعجرفين يقارنون اللهو المبالغ به في مدينتهم (اللهو والهيدونية المرضية إن شئتم، حتى تحت القصف وجبال النفايات)، بنمط الحياة الطبيعي والعاقل (والبنية التحتية الموثوق بها) في عمّان. طبعاً هذه المقارنة السخيفة تنطبق على أي مدينة خارج بيروت، مدن بعض البيروتيين لا يطأها حتى داخل لبنان نفسه، مثل مدينتي طرابلس، على الرغم من كونها أعرق وأجمل من غابة الإسمنت المجنونة على ضفاف مكب الكوستا برافا.

ولكن تحيلني هذه المسألة على مسألة أخرى: هل الصور النمطية عن أقطار العرب وسكّانها مستحقّة؟ من أين تأتي؟ وهل الهوية القطرية أصلاً جائز التسليم بوجودها كشيء مستقلّ عن الهوية المشرقية أو المغربية أو الخليجية أو حتى العربية؟

صورة الأردني النمطية هي أنه شخص نكد لا يبتسم "حتى للرغيف الساخن" وهو كثير الشكوى. طبعاً الصور النمطية تعريفاً هي خاطئة، كالإشاعة المغرضة. ولكن الصورة النمطية أيضاً لها قوّة التحوّل إلى نبوءة محقّقة لذاتها. بمعنى أن الناس قد يبدأون بمحاكاتها من دون وعي.

في الحقيقة إن كل مشرقي هو شخص نكد، ولا ندري ما إذا كان هذا من جراء الحروب والمصائب التي تنهال علينا من كل صوب. وفي الحقيقة أيضاً، إن حس الفكاهة وحس السخرية ناقصان فينا جميعاً. وثقافة قول الشيء والقصد قول شيء آخر ليست في صلب الأدب والثقافة العربيين.

أقوال جاهزة

شارك غرديحق للعرب تماماً التهكّم بعضهم على بعض ما داموا مستعدين للتهكم على أنفسهم

شارك غرداللبنانيون مستعدون لفعل أي شيء من أجل المال، الأردنيون مملون... هل الصور النمطية عن أقطار العرب وسكّانها مستحقّة؟


لهذا السبب، يقع العديد من العرب في فخ تصديق نمط "الأخبار الكاذبة للفكاهة" على أنها حقيقية مثلاً. ولكن مع انتشار ميمات الانترنت واستنساخ تجارب مثل جريدة البصلة في الولايات المتحدّة (ذا أونيون The onion) في بلادنا، من خلال مواقع مثل "الحدود" (الذكي للغاية بالمناسبة)، بدأ جيل جديد من العرب يفهم معنى السخرية وحس العبث في الفكاهة.

النكتة ما بعد البنيوية ليس لديها نمط واضح. هي تتطلب من المتلقي بذل الجهد لفهمها (وحسن الظن بمعناها). مثلاً في الظاهر، قد تبدو نكتة ما على أنها جارحة أو تمس المقدّس (وما أكثر المقدّسات عندنا). ولكنها في باطنها قد تحمل مقاصد أخرى تماماً، تحث المتلقي على كسر تابو معيّن وعلى ألا يأخذ نفسه ومعتقداته بالكثير من الجدّ.

كما أشارت سيّدة أردنية على صفحتي على الفايسبوك، عندما سألت تهكّماً ما إذا كان الأردنيون يتمتعون بحس الفكاهة، فإن الهوية الوطنية ليس لديها علاقة مع شخصية الفرد إلا بشكل عارض. ولكن هل توجد هوية أردنية أو لبنانية حقيقية أصلاً؟

هذا لا يعني أن التهكم لا يمكن له أن يكون عنصرياً. مثلاً السخرية من السوريين والصورة النمطية عنهم في لبنان ليست ببراءة الصورة النمطية عن الأردن. هي مرتبطة باعتداء جسدي ونفي إنسانية السوريين، الذين يعاملون في لبنان هم والفلسطينيون بعنصرية مقزّزة يمكن مقارنتها حتى بمعاملة الكيان الصهيوني للشعب الفلسطيني. يمكن القول إن التهكم يصبح عنصرياً ومؤذياً عندما يكون المتهكّم في موقع قوّة والمتهكّم به في موقع ضعف بالمفهوم العام للمصطلحين.

أتذكر أنه خلال عملي في الخليج كانت الصورة النمطية عن اللبناني هي أنه ناعم ولا يأكل إلا أكل "دايت"، وألوم في هذا المحطّات الفضائية اللبنانية التي راجت في الخليج، والتي لا تظهر إلا اللبنانيين "الناعمين". ولكن هناك صوراً نمطية أكثر إيذاء عن اللبنانيين: مثلاً أنهم فاسدون ومرتشون ومستعدون لفعل أي شيء من أجل المال. سبب هذه الصورة هو الأقلية من اللبنانيين الذين هم بالفعل كذلك في تعاملهم مع الأثرياء العرب.

ولكن يحق للعرب تماماً خارج هذا السياق التهكّم بعضهم على بعض ما داموا مستعدين للتهكم على أنفسهم. أفلا يحق للأردني أن يسخر من لبنان وفوضاه وجنون شعبه وللبناني أن يسخر من الأردن والملل المطبق فيه؟

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
كريم طرابلسي

كريم طرابلسي كاتب ومترجم مفيم في لبنان. مهتم بمواضيع الأدب والثقافة والترجمة. نشرت مقالاته بالعربية والإنجليزية في "العربي الجديد" و"مجلة الأداب".

التعليقات