الإرهاب من كوارث الطبيعة

الإرهاب من كوارث الطبيعة

حار جهابذة علم السياسة والاجتماع في تفسير ظاهرة "الإرهاب". يطرح المصطلح بحد ذاته إشكاليات جمّة. يدّعي الكثيرون أن تعريف الإرهاب هو "العنف (ضد المدنيين) بهدف تحقيق أهداف سياسية". ولكن التعريف الفعلي كما تفهمه الدول الغربية - وبعد الحرب الباردة معظم دول العالم (بما فيها الدول القمعية العربية) - هو "العنف الذي يزعج" هذه الدول بشكل عام، سواء استهدف مدنيين أم جنوداً محتلّين مدججين بالسلاح.

طبعاً العنف الذي لا يزعجها (القصف الإسرائيلي على مدنيي غزة، القصف الروسي على مدنيي حلب) لا يعد إرهاباً لدى بعضها. ولقد وسّعت بعض الدول، وفي مقدمّها بعض دول الخليج العربي، مفعوم الإرهاب بما يتجاوز العنف. مثلاً، المملكة العربية السعودية تساوي بين الإلحاد والإرهاب.

بعض دول الجنوب والحركات المقاومة وحركات التحرر الوطني والميليشيات الإيديولوجية التي تمزج أساليبها العسكرية أحيانا بين استهداف المدنيين واستهداف العسكريين بحسب حسابات معيّنة، بعض هذه الدول والحركات تحتج على المصطلح وتطالب بتعريف يشرّع العنف بحسب سياقه (احتلال، غزو، الارتباط بالصهيونية، الخ). ولكن لا يعرف عن هذه القوى، حتى تلك التي لديها قضايا محقّة، التزامها إطارات مثل اتفاقية جنيف الرابعة مثلاً حول عدم استهداف المدنيين (مما يضعف حججها الأخلاقية). طبعاً، معظم هذه المجموعات لا تهتم كثيراً بالرأي العام وتعتقد أنه غير ضروري لربح المعركة (إذا كان الله أو الحتمية التاريخية إلى جانبنا فمن يعبأ بالرأي العام في نهاية المطاف؟).

أقوال جاهزة

شارك غردالفكر الجهادي قد أفرغ نفسه من كل مضمون وأصبحت الجهادية ديانة بحد ذاتها صلتها بأي مفهوم خارج نفسها مقطوعة تماماً

شارك غردكما لا يجدي مع الكوارث الطبيعية القلق في شأنها، لن يجدي الكثير مع الإرهاب الاختباء والخوف من أولئك المعتوهين

ماذا عن الإرهابيين الذين يجمع أكثرنا أنهم إرهابيون؟ أعني بهذا المجموعات التي ليست لديها مظالم جيوسياسية مفهومة أو أي نوع من الحجج الأخلاقية. عادة، تقوم هذه المجموعات بقتل أشخاص تعتقد هي بأنهم يستحقّون الموت (أشخاص من ديانة/طائفة مختلفة - طبيب إجهاض، الخ) ولا مشكلة لديهم إذا كان هناك بعض الأبرياء بين الضحايا إذا كانوا عقبة في الطريق أو موجودين عن طريق الخطأ مثلاً.

ينتج من هذا أن الإرهاب هو عدّة ارهابات لا شيء واحد. ولكن تبقى كل هذه النسخ منه "مفهومة" بعض الشيء ويمكن للعقل البشري أن يضعها ضمن تصنيف معيّن والتعامل معها على هذا الأساس.

ولكن يبقى نوع واحد من الإرهاب لا يمكن فهمه: الأذى من أجل الأذى. من نوع أن يأتي "جهادي" أو "انغماسي" أو أي من هذه المصطلحات المضحكة - المبكية، وأن يفتح النار ثم يفجر نفسه (أو نفسها) لقتل أبرياء عابرين يمكن أن يكونوا من أي عرق أو ديانة أو خلفية سياسية في أي مكان، قد يكون مطعماً أو مطاراً أو دار سينما أو كنيسة أو مسجداً - لا فرق.

ما يجري هو أن الفكر الجهادي قد أفرغ نفسه من كل مضمون وأصبحت الجهادية ديانة بحد ذاتها صلتها بأي مفهوم خارج نفسها مقطوعة تماماً. الإله في هذه الديانة هو الموت، وقتل الجميع - من بينهم جهاديون آخرون - هو الصلاة، وإلغاء الذات من الوجود هو الإحسان. وربما الحج فيها هو إلى الرقّة والموصل، إلى حين سقوطهما الحتمي.

يجعل هذا من الإرهاب الجهادي مسألة صعبة الفهم ومستحيل التنبؤ بها والتحوّط منها. فتشبه في ذلك الكوارث الطبيعية التي ليس لديها أي عقل أو منطق أو هدف، سوى أنها موجودة وأنها من طبائع الأمور.

لا يجدي مع الكوارث الطبيعية إغلاق الحدود وكره الغريب والانسحاب من العالم والتصويت لليمين.

لا يجدي معها اعتقال وطرد اللاجئين وإلقاء اللوم عليهم، بل سيحوّلنا هذا من ضحايا أبرياء إلى معتدين.

كما لا يجدي مع الكوارث الطبيعية القلق في شأنها، لن يجدي الكثير مع الإرهاب الاختباء والخوف من أولئك المعتوهين، وتركهم يسوقوننا الى حيث يريدون.

لن يجدي أي شيء مع ظاهرة اكتسبت حياة وزخماً، وقودها كل شيء سيىء وكل ما ينتج "طاقة سالبة" في هذا العالم.

لن يجدي أي شيء سوى أن نتعامل معها ككوارث طبيعية، نأخذ بعض الاحتياطات وننشئ التحصينات. نكرّم ضحايانا، ونداوي جرحانا، ونبني ما تهدّم، ثم نعقد العزم على المزيد من الانفتاح، والتعاضد، والاهتمام بالأضعف في مجتمعاتنا، والمزيد من "الطاقة الإيجابية" بيننا، فنتابع حياتنا التي يريدون لها أن تنطفئ بحبهم للموت حتى ينطفئوا.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
كريم طرابلسي

كريم طرابلسي كاتب ومترجم مفيم في لبنان. مهتم بمواضيع الأدب والثقافة والترجمة. نشرت مقالاته بالعربية والإنجليزية في "العربي الجديد" و"مجلة الأداب".

التعليقات