عندما كنت بديناً...

عندما كنت بديناً...

حكايتي مع البدانة عمرها من عمري، وزني الزّائد رافقني طوال مراحل حياتي، وحجز مكاناً له في ذكرياتي. يكاد شريط ذكرياتي لا يخلو من عنصرٍ واحد، وهو بطني المنتفخ. كنت "بالوناً" في مراحل طفولتي الأولى، لا أسكت إلّا بعد تناولي الطّعام، لأدخل المدرسة وقد تطورّت، فأصبحت "كرة سلّة"، جعلت منّي محطّ سخريةٍ من أصدقائي. في سنّ المراهقة، تحوّل وزني لعامل قوّة، فالفتى "الكرة"، تحوّل لمصارعٍ حرّ، اسمه "The Big Show".

مجتمع البدينين، أو أصحاب الوزن الزّائد، له عاداته وتقاليده، كأي جماعةٍ مضطهدة في المجتمعات. فالبدين يدافع عن أخيه في البدانة، يتقاسمان الطّعام، والأهم، يتشاركان لذّة الحديث عنه. بطبيعة الحال، يقضي البدين معظم أوقاته في المطبخ، فكان المطبخ هو غرفة الجلوس، الدّرس وحتّى اللعب بالنّسبة إلي، وللصحون كما الملاعق، حصّة من أفكار ألعابي. فالصّحن كان حصناً لجنود معسكري، والملاعق عبارة عن منجنيقٍ أضرب فيه معسكرات خصومي، حتّى أن نصوصي التّعبيرية لم تخلُ من الحديث عن الطّعام. ففي وصف الرّحلات المدرسية، كان ذكر "المناقيش" حاضراً، وفي الحديث عن العائلة لا بدّ من التّطرق لموائدها، مع أنّني شبه نباتي، مع ذلك، إذ لرائحة الطّعام قدرة غريبة على إطلاق العنان للمخيلة.

البدانة في المجتمع العربي حاضرة بقوة، ويشكل ذوو الوزن الزّائد نسبةً لا يستهان بها من أفراد المجتمع. يبرعون في العلم، والثّقافة والفن، وربما هذا ما جعلني أتعاطف مع الطّفل زين عبيد، الذي شارك في النّسخة العربية الأولى من "The Voice Kids". لأنني وجدت من يمثّلني، كما مثّلني نبيل شعيل وإبراهيم الحكمي في الفنّ سابقاً، لكن زين، وعلى الرغم من مقدّراته الصّوتية وابتسامته الجميلة، لم يحصد سوى سخريةً من جمهورٍ لم يعتد احترام الآخر، لا في شكله ولا في أفكاره. اقترح الجمهور، حينذاك، إعطاء زين فروجاً بدلاً من التّصويت له، مع أن المتعاطفين مع زين كانوا كُثُراً. وهو أكّد عدم اكتراثه للانتقادات، لكن لا شكّ أن الانتقادات خلّفت في نفسه أثراً شبيهاً بالذي عايشته أنا في المدرسة، والحيّ، والشّارع والمجتمع.

نجحت اليوم بخسارة أكثر من 20 كيلوغراماً، ومع ذلك، لا أزال أعاني عقدة البدانة، فأنظر للمرآة كلّما أكلت، لا خوفاً من زيادةٍ قد تصيب وزني، بل من العودة لمسلسل السّخرية الذي تركته طواعيةً. فحلاقي اليوم بات يجهلني، أصدقائي أيضاً، زملائي في العمل وحتّى طبيب أسناني، قبل سؤالي عن تطورات حياتي المهنية، يسألونني عن وزني، ابتسم ابتسامة المنتقم منهم ومن المجتمع، قبل أن أجيب متهكّماً: "تركني الوزن وتركته".

في مفكّرتي، مقالٌ لسناء خوري من "السّفير"، تتحدّث فيه عن البدانة، وكيف أن البدين يحمل سبعين "فرّوجاً" معه في بطنه أينما ذهب. مع أن المشكلة قد تكون مرضية، لا علاقة لها بالطّعام وحده، فقد تتفاعل الغدد بشكلٍ سلبي وتفرز إفرازاتٍ تزيد من الوزن، أو بسبب دواءٍ شاء مصنّعوه أن يحوي "الكورتيزون". المجتمع لا يعنيه ذلك، يرى الشّكل فقط، ويضحك.

شبكات التّلفزة لا تختلف عن المجتمع، فتميّز البدين في مسابقات ملكات الجمال، برامج الألعاب، البرامج الكوميدية، وغيرها. فيظهر البدين حصراً بشخصية المحبّ للطعام، الذي لا يعنيه أي شيءٍ يبعد عن فمه. لكن رامز جلال، ضمن برامج مقالبه، نقل السّخرية لمستوى آخر، فالبدين أو البدينة بالنّسبة إليه، قد تستعمل لحافاً أو مخدّة، والبدين هو "دبدوبٌ" لطيف، يستأنس رفاقه بالصفع على معدته أو شدّ خدود وجهه.

خسرت الوزن اليوم، ولن أعود إليه بحكم ضرورات العمل، صحيحٌ أنّني خسرته، خسرت معه اللذة وأطباق أشاهدها كصورٍ وفيديوهات، لكننّي، سأبقى بديناً، أتعاطف مع إخواني "البدنين"، ولو أن لمرآتي كلاماً آخر.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أحمد ياسين

صحافي ومدوّن لبناني شاب، حاصلٌ على عدّة جوائز في التّدوين، كما على لقب سفيرٍ لحقوق الإنسان من منظمة التّنمية البشرية في الأمم المتحدة. نشر في وسائل إعلامية لبنانية وعربية عدة، منها النّهار، الأخبار، وصحيفة العربي الجديد، قبل أن يتولّى رئاسة تحرير موقع "الحقيقة" الإلكتروني، ويبدأ عمله كمراسلٍ تلفزيوني ومعدّ مواد في قناة ال "LBCI". ولياسين أيضاً مساهمة كمنتج لأفلام وثائقية، عن فيلمه "نوستالجيا"، الذي يتحدّث عن مصوّري الحرب الأهلية اللبنانية وتجاربهم. @Lobnene_Blog

التعليقات