يحتاج اليسار إلى إعادة التفكير عميقاً، ليس بسوريا فحسب، بل بنفسه أيضاً

يحتاج اليسار إلى إعادة التفكير عميقاً، ليس بسوريا فحسب، بل بنفسه أيضاً

"ومن ثم بدأت الأزمة السورية وظهر معها نفاقي وهشاشة المثل التي أؤمن بها"، هذه الكلمات كتبتها الناشطة الفلسطينية بدور حسن في مقالها الأخير "كيف غيرتني الثورة السورية". كان اعتذار بدور حسن مؤثراً وقوياً بالنسبة لأولئك المطلعين على أحداث الثورة، خصوصاً الذين يؤيدون موقف اليسار منها. فقد أدت إلى فضح العديد من الحقائق عن اليسار العربي والغربي.

هناك الكثير ليقال عن الثورة السورية، ومقالاً واحداً لن يوفي الكلام حقه. سأقوم هنا بالحديث عن جانبٍ من جوانبها، خصوصاً ما يمكننا فعله لتناول هذا الموضوع بطريقتنا الخاصة. في الواقع يمكن للكثيرين منا تفهم بدور حسن وترددها المبدئي في دعم الثورة السورية، فقد تم استبدال التضامن والدعم بمحاولة تبرير ما لا يبرّر عن طريق التشبث بأي موقفٍ جيوسياسي يناسبنا، ويعطي الأولوية لمخاوفنا، عوضاً عن إعطاء الأولوية لمخاوف الأشخاص الموجودين في ساحة الحرب.

حددت Pulse Media، منذ عامين، 3 أنواع شائعة من ردّات الفعل "اليسارية" تجاه الثورة السورية وعسكرتها:

  1. دعم واضح لنظام الأسد
  2. معارضة من طرفٍ واحد للتدخلات الغربية، وينتهي النقاش عند ذلك
  3. صمت عام نتيجة الارتباك العميق

لا تزال هذه النزعة حتى اليوم، لكن الإصدارات الأخيرة لعددٍ من الكتّاب السوريين أو المؤيدين، تعطي الأمل للبعض بتغيير المواقف "الرجعية اليسارية". من هذه الإصدارات "الدولة المحترقة: السوريون في الثورة والحرب،Burning Country: Syrians in Revolution and War"لروبن ياسين كسّاب وليلى الشامي. و"المسألة السورية La Question Syrienne" لياسين الحج صالح، والممر  The Crossing، لسمر يزبك، و"في الصباح أتوا من أجلنا The morning they came for us" لجنين دي جيوفاني. و"“Khiana: Daesh, the Left and the Unmaking of the Syrian Revolution المحرر من قبل جولز ألفورد وآندي ويلسون.

السبب وراء تعداد هذه الكتب بسيط: خسر اليسار الحق الأخلاقي في الحديث عن سوريا واتخذ في أفضل موقفٍ له قراراً جباناً بمعاداة الإمبريالية، التي تحددها فقط الحكومات، عوضاً عن اعتماد أسس المعارضة العالمية لجميع أشكال الإمبريالية. يحتاج اليسار إلى إعادة التفكير عميقاً، ليس بسوريا فحسب، بل بنفسه أيضاً.

كتبت الأكاديمية الفلسطينية لمى أبو عودة: "لقد جعلتنا الثورة السورية نبحث عميقاً في أفكارنا ونتزاحم لقول كلمةٍ ما، ونبحث في الأكياس السياسية القديمة ساعين للتمسك بموقفٍ لطالما اعتمدناه لكي نعتمده مجدداً، ونستجلب انتماءات سياسية بقيمة أو من دون أي قيمة، ولكن لنجد أنفسنا قد فقدنا الكلمات، وربطت ألسنتنا وذهلنا، وأصبحت أوجهنا خالية من التعابير. ولكن الأهم أنها جعلتنا هادئين تماماً، كالقبر المصنوع من أنقاض مبنى تهاوى على رأس رجلٍ سوري جرّاء سقوط برميلٍ متفجرٍ في مدينة حمص".

هذا الصمت سواء كان مبرراً أم لا هو صمتٌ صاخب. لقد فشلنا كحركةٍ تتظاهر بأنها تتبع إطار عملٍ دولي. وبدلاً من ذلك، اعتمدنا انعزالية حكوماتنا، وسلّحنا أنفسنا بتعميماتٍ عنصرية مثيرة للاشمئزاز.

لقد فضحت سوريا هشاشة وسطحية اليسار، الذي فشل في تحرير نفسه من التناقضات المتأصلة في الدولة القومية. كتب ياسين حج صالح في إحدى مقالاته: "تعطي تحركاتُ اللاجئين السوريين، بحراً وعلى أقدامهم، عابرينَ حدود دولٍ معادية تُعرِّف ذاتها بماضيها، نحو دول تُعرِّف ذاتها بماضٍ أقرب، ووقوع كثيرين منهم على الطريق، تعطي انطباعاً بشيء قديم بدوره، قد يكون نموذجه البدئي تحركات البشر عبر الأراضي والقارات في أزمنة قبل تاريخية".

TURKEY-SYRIA-KURDS-REFUGEES_AFP

المثير للاهتمام هو أنّ تلك الحركة قابلة للفهم من قبل شخصٍ متوسط القدرات، "على الرغم من أنها أفسدت على يد الدولة القومية، التي أصبحت إطاراً ملزماً لجميع الأفكار والسياسات"، لسبب بسيط، هو أن ذلك لطالما حصل على مرّ التاريخ وفي كل بقاع الأرض. ولكن هشاشة الدولة القومية ظهرت، عندما وقفت تشاهد، إما بسبب عجزها أو محاولة لاحتواء هذه الحركة التي تزعزع استقرار معانيها حتى قبل أن تزعزع حدودها. ألا يفسر ذلك ولو بشكلٍ جزئي ردة الفعل الهستيرية، التي أظهرها غالباً بعض السوريين عند وصولهم إلى شواطئ الأمان الأوروبية؟

هذا السرد الذي يبدو وكأنه نوع من أنواع الكراهية البدائية التي تأمل في شيطنة أولئك الذين يسعون إلى الهجرة، تفضح نقص القناعة لدى الأشخاص الذين يتظاهرون بتشبثهم بالقيم العالمية.

يجب أن لا يشكل الأمر مفاجأة، فالسخرية التي تظهرها الطبقة العليا في الحكم، تنعكس على عامة الشعب من ناشطين ومثقفين مع وجود استثناءات واضحة. يجب أن تؤدي التناقضات المتأصلة التي ابتليت بها سوريا والعالم، إلى خلاصاتٍ أوضح تتماهى مع ما كتبه الناشط الكردي ديلار ديريك على صفحته على فيسبوك: "النظام  الرأسمالي القومي البطريركي يرغم الشعوب حول العالم خصوصاً في الشرق الأوسط على الاختيار بين الأقل شراً باسم الحرية. مجبرين الملايين من الناس على الاختيار بين داعش والأسد، وبين الأصولية الدينية أو العسكرة العلمانية، وبين الملكية والخلافة أو الدولة القومية العنصرية، بين النظر إلى المرأة من منظورٍ جنسي خالص، وبين ارتداء الحجاب. بين السيسي أو مرسي، بين الأتاتوركية والأردوغانية... كلها ليست خيارات، بل أسلحة ممتازة لكسر إرادة الشعوب. إن جعل الناس يفاضلون بين الموت غرقاً أو الموت حرقاً هي الطريقة المثلى لجعلهم يخسرون القوة البشرية الأهم وهي الأمل. البديل الوحيد هو خارج إطار نظام الوجهين لعملةٍ واحدة، وحدها ثورة أممية تحررية في نظرتها للمرأة وديمقراطية ستؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة خلق قنوات تواصل بين المجتمعات، على الرغم من كل الدمار والموت".

ولتحقيق ذلك علينا أن نعي أن سوريا ليست أرض المستضعفين الذين يتعايشون مع أحداث مروعة، بل هي أرض الناشطين غير الاعتياديين والمعلمين وعمال الإغاثة والأطباء والممرضات، والخبازين والعاملين في الحدائق، سواء كانوا عرباً أو أكراداً أو غير ذلك، الذين يقفون وقفةً تضامنية بطولية في محاولةٍ لتأمين بدائل لجميع أشكال الاستبداد. يوجد اليوم في سوريا الكثير من المجالس المحلية وذلك بحسب ليلى الشامي التي قالت: "النموذج الذي انتشر استند إلى رؤية عمر عزيز، الذي كتب في نوفمبر 2011 بعد مرور 8 أشهر على الثورة داعياً إلى تأسيس مجالس محلية".

مع غياب الحكومة المركزية طوال 4 أعوام، استغل السوريون فرصة تنظيم أنفسهم في تحد مباشر لسيطرة سلالة الأسد. دعا عزيز إلى إنشاء مناطق مستقلة لا تعتمد النظام الهرمي، بل مبادئ التعاون والمساعدة المتبادلة والتضامن. "ستكون هيكلية المجالس المحلية أفقية، وستشكل منصات جامعة للناس للتعاون بشكلٍ فاعل، ومناقشة المشاكل التي واجهت مجتمعاتهم وإدارة حياتهم، بعيداً من الدولة، وتلك المنصة التي يمكن من خلالها بدء ثورةٍ اجتماعية لا تقتصر فقط على الصعيد المحلي، فتتعداه إلى صعيدٍ وطني وإقليمي عن طريق ربط المجالس بعضها ببعض". هذه الخطوة التضامنية ستؤدي إلى إنجازات ثقافية وإعلامية غير مسبوقة. هم ليسوا مثاليين، لكنهم استثنائيين، إذا أخذنا بعين الاعتبار الظروف التي يعملون في ظلها. فإذا كان هناك شيء قد ينقذ سوريا من دورات العنف الدائم، فهو نموذج يتخلى عن سياسة اللإملاءات التي تفرضها الدولة على الشعب ويعتمد على مقاربةٍ شاملة تنطلق من الشعب.

المقاربة التي تنطلق من القاعدة إلى الرأس تتجلى في المحادثات التي تحيط بالتجربة الفريدة لمنطقة الإدارة الكردية في شمال سوريا، التي تفضح اتفاق التعاطي الانتقائي، وهي تجربة تستحق الدفاع عنها لما لها من إنجازات. لقد ألهم الدفاع البطولي عن كوباني في وجه الهجمات الداعشية العالم بأسره، ودفع الأشخاص الذين يومنون بالفوضى إلى الانخراط في الصراع، وهي ظاهرة شبهها الكثيرون بثوار إسبانيا في الثلاثينيات من القرن الماضي. "لقد اعتمدت بعض المناطق كعفرين وجزيرة وكوباني في شمال سوريا نظام الحكم الذاتي، على أمل بناء مجتمعٍ خالٍ من الاستبداد والنظام العسكري والمركزية وتدخل السلطات الدينية في الشؤون العامة"، بحسب دستور منطقة الإدارة الكردية. وفي رؤيةٍ تتماهى مع رؤية عمر عزيز يعتبر ميثاق منطقة الإدارة الكردية لافتاً في مجال تعزيز الوحدة والتعايش بين الجماعات الدينية والعرقية المختلفة، واحترام حقوق الإنسان، ووضع حد للتمييز على أساس الجنس والإعتراف بحق الشعب بتقرير مصيره".

ثم هناك مجموعات التضامن الدولية، التي ينظمها السوريون غالباً داخل وخارج سوريا، وهي مجموعات تحاول ما في وسعها للإبقاء على انتباه العالم موجهاً نحو أبطال سوريا. سواء كانوا مجموعة "كش ملك"، التي تضم 110 معلمين يقدمون خدماتهم لنحو 3000 طفل وينقذون الأرواح في مستشفياتٍ تحت الأرض في حلب، التي تسيطر عليها المعارضة أو الذين يخاطرون بحياتهم لحماية المدنيين من سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها الأسد والروس. أولئك هم الأشخاص الذين طلبوا مساعدة العالم، والذين قوبلوا بصمتٍ صاخبٍ من اليسار.

سوريا هي العالم لأن العالم هو سوريا. "العالم مريض، ومرضه يُفَاقم أمراضنا، الموروث منها والمكتسب"، هذا ما كتبة حاج صالح. كما أنني سأقتبس أحد أقواله لأختم بها: "أعتقدُ أن أزمة اليسار في العالم، وكانت الثورة السورية مناسبةً لظهورها في أبشع شكل، تعود في جانب منها إلى أن اليسار لم يَعُد يشغلُ موقعاً مُراجِعاً للنظام الدولي، ولم تَعُد قضية تغيير العالم والثورة في العالم تشغل باله. اليسار اليوم في معظمه قوىً داجنةٌ من الطبقة الوسطى، ماضوية التفكير والسياسات، لم تعرف الخروج من زمن الحرب الباردة، وتجد نفسها عاجزة كلياً عن فهم التفجرات الاجتماعية في إقليمنا المُدوَّل وغيره (...) حين لا يكون التقدم عالمياً، الرجعية تكون، وتتقدّم".

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
جووي أيوب

مدوّن لبناني صدرت له كتابات في منصات عدة مثل “أصوات عالمية”، المونيتور، والمنتدى السياسي الدولي. هو صاحب مدونة Hummus for Thought، وتشمل اهتماماته صحافة المواطن، السياسات الراديكالية، النسوية، النظرية النقدية والعلوم البيئية.

التعليقات